الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » متى تؤسِّس المملكة مركزاً فكرياً؟

متى تؤسِّس المملكة مركزاً فكرياً؟

تواجه المجتمعات الحديثة في كل الدول قضايا معقدة ومتداخلة يصعب حلها حين تكون الأجهزة الحكومية طرفاً، حيث الغالب أن للحكومة دوراً مباشراً أو غير مباشر. أحد مظاهر الإشكالية أننا في الغالب لا نستطيع إعطاء المساحة الكافية للتفريق بين النظري والعملي والاستراتيجي والتكتيكي، ونزيد عليه أننا نطلب من الأجهزة التنفيذية أن تبدي الرأي في نواحٍ نظرية، بينما هي منشغلة بنواحٍ عملية محدودة. 

كما أن هناك حاجة واضحة لرأي مستقل لاستشراف المستقبل ولقياس وتقدير أداء الكثير من هذه الأجهزة. المركز الفكري يحظى بأفراد يعشقون الفكر المستقل البعيد المدى، ولديهم القدرات التحليلية لدراسات الظواهر تفصيلياً في دوائر المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 

المركز الفكري ليس مركزاً إعلامياً ودعائياً، ولكنه أيضاً غير منغلق فهو دائماً في نقاش وجدل حول القضايا التي ترصد نبض حركة المجتمع ومؤسساته والدفاع عن ثوابته وإعطاء المسؤول الأفكار والحلول والتعامل مع المؤسسات المماثلة في العالم، فهو خط دفاعي واستشرافي لصُناع القرار الوطني. 

الحقيقة أن المشروع التنموي في المملكة يواجه تحديات تتطلب أفكاراً جديدة. وهذه تحتاج إلى مراكز فكرية بعيدة عن الضغوط التوظيفية والوظيفية.

هناك مسائل عامة ولكنها تخصّصية تتطلب معرفة وتحليلاً ورصداً دقيقاً لكي يكون الحكم موضوعياً وقابلاً للتنفيذ. 

هناك إحصائيات ودراسات تقارن دول المنطقة ببعضها، وأخرى تقارن بين المنطقة والعالم الحديث، أو حتى بين قطاع وآخر في المملكة في جميع نواحي الحياة، مثل الاقتصاد والعلوم والتعليم والخدمات العامة، وتوزيع الدخل ومستوى الضرائب وتكافؤ الفرص، والمنافسة والإنتاجية وغيرها من المسائل الملحة، فهذه المسائل موجودة في كل الدول وفي كل الأزمنة ولكن المملكة تواجه اليوم، إضافة إلى هذه القضايا إعادة التفكير في نموذج التنمية السائد اليوم، كالعلاقة بين سياسة الطاقة والمالية العامة من ناحية وحجم الدور الحكومي المتزايد على حساب قطاع خاص نشط وإنتاجي، فلا يمكن تأطير سياسة اقتصادية دون هذا المنطلق، كما أن هناك قضايا تفصيلية مهمة مثل نظام الأراضي والزكاة وفيما إذا كان نموذج التعليم الحالي مناسباً لهذه المرحلة من تطور المملكة أم أنه تقليدٌ سطحي نتردّد في النقاش الجاد حوله؟ فهْم هذه المسائل يتطلب قاعدة معلوماتية وتحليلية ومواهب قادرة على التفكير خارج الصندوق، وشجاعة في الطرح خلف أبواب تسمح بالنقاش الموضوعي الهادئ الهادف.

لأسباب أصبحت معروفة في الغالب ليست هذه القدرات متوافرة في الجامعات وعلى الأقل الغالبية العظمي من حملة الدكتوراه في الجامعات ليس لديهم الكفاءة، وأحيانا الأمانة الأكاديمية لمثل هذه الأدوار، ولذلك فالقادرون من أساتذة الجامعات أقل من 5 في المائة منهم. 

فالقليل من أساتذة الجامعات لديه الكفاءة من جامعات معروفة ومتخصّصة، واستطاعوا الإسهام في دوريات متخصّصة مقارنة بأمثالهم من الدول المتقدمة، كما بدا ذلك واضحاً في قلة الأبحاث المباشرة على الأرض، فالمتخصّصون في النظرية الاقتصادية أو السياسية أو غيرها من التخصّصات الاجتماعية قلة، وأغلب الموجودين أقل من المستوى. 

لعل أحد الحلول الجزئية أن نستعين بمختصّين من الخارج وإرسال السعوديين القادرين للعمل مع بعض بيوت الفكر في الغرب والشرق، كما يستحسن الابتعاد عن التصريحات الإعلامية والبحث عن الأضواء في مجتمع يجد صعوبة في التفريق بين السياسة كألاعيب والسياسات كعمل منظم من ناحية، وبين النظري والعملي من ناحية أخرى، وبين الرغبة في الوظيفة الحكومية أو التطلع إليها من ناحية واستحقاقات الإنتاجية والنزعة البحثية وقبول المسألة من ناحية أخرى. 

———————–

نقلاً عن الاقتصادية 

-- فواز حمد الفواز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*