الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة هادئة في الدور الإيراني والقلق العربي

قراءة هادئة في الدور الإيراني والقلق العربي

اكتشاف اعضاء جدد للخلية التجسيسة الايرانية في المملكة قبل اسبوع وصدور حكم قضائي اميركي قبل يومين بسجن المتهم باغتيال السفير السعودي بواشنطن لمدة 25 سنة وتورط حزب الله في قتل الشعب السوري بتوجيه إيراني كلها اسباب تدفعنا بالضرورة لقراءة هادئة وتفصيلية وموضوعية ومحايدة قدر الامكان للدور الايراني في المنطقة، وهو ما يتطلب شرحا دقيقا وعقلانيا لملف معقد بات يمثل قلقا حقيقيا لأهل الخليج والمنطقة والعالم، فضلا عن انه اصبح موضوعا رائجا في المنتديات والمؤتمرات والملتقيات. ولذلك يلزم بان نوضح هنا بأنه صحيح لدينا مشكلة مع ايران، لكن الخلاف يرتكز على سياسة الدولة لا الشعب الايراني المسلم الذي نكن له كل احترام . وهي دولة جارة ولها ثقل ولا ننكر ذلك انما الاشكالية لدينا تعلق بتعاطيها السياسي.

ولذا فقد عزمت على كتابة سلسلة من المقالات حول الدور الايراني، نظرا لأهميته وكونه حديث الساعة، ومن اجل طرح صورة شاملة للقارئ الكريم الذي عليه ان رغب متابعة كافة السلسلة لتتضح له الصورة بشكل جلي حول ما تفعله إيران في منطقتنا لأنه لا يمكن بأي حال من الاحوال اختزال هذا الدور في عالمنا العربي في مقال او مقالين. والحقيقة انني سبق ان طرحت بعضا من هذه الرؤى في لقاءات مع فضائيات وحوارات صحفية مع القبس الكويتية والجزيرة نت وغيرها وذلك من باب الامانة الصحفية. وارتأيت انه من المناسب طرح تصور شامل للملف الايراني من كافة الاوجه والأبعاد قدر ما استطيع وبشكل مركز ومختصر وهو اجتهاد شخصي على أي حال ليعطي القارئ صورة بانورامية للمشهد العام وليس فقط التركيز على جزئية معينة هنا او هناك.

إيران وما أدراك ما إيران.هي بالتأكيد مالئة السمع والبصر في عصرنا الراهن وان كان ذلك لا يعني بالضرورة انه امر إيجابي ما يستدعي منا شرح الحالة الإيرانية ومنظومتها السياسية.

قبل ايام كنت في زيارة برلمانية شورية مع بعض الاعضاء والعضوات للاتحاد الأوروبي ونحن نعلم بان سطوع الاتحاد الاوروبي وثقله وتأثيره في العالم وليس في منطقتنا اصبح محل اهتمام واعتبار وتقدير. قال لي في حديث شخصي مسؤول برلماني كبير في موقع مهم ومؤثر في البرلمان الاوروبي بالعبارة التالية: ان ما يحدث في منطقتكم يؤكد بان يدا خارجية تلعب فيها بذكاء وخبث ودهاء ولا اتخيل ان يحضر في ذهني الآن سوى ايران. هو لم يكن يجاملني ليذكر ذلك وليس مضطرا ايضا. وإنما الرجل كان على قناعة بما لديه من تقارير واطلاع وتواصل مع اجهزة عديدة. بالنسبة الي يكفي انها اشارة لافتة على التدخل الايراني في المنطقة.

طبعا هناك قراءة ترى بان إيران تخشى من سقوط نظامها الذي لا يلقى شرعية محسومة لدى الغرب، وتجد في إيجاد سلاح نووي حماية لها وصيانة لبقاء نظام الثورة الإسلامية، وبالتالي هذا السلاح سيكون رادعاً لمن يحاول الاقتراب من إسقاط النظام، فضلا عن انه لا يمكن لإيران أن تساوم أو تفاوض الغرب دون أن يكون في يدها أوراق فاعلة في الدول ذات الملفات الملتهبة. ولعل المتابع لما يجري في المنطقة ومنذ غزو العراق واختلال موازين القوى في المنطقة، يلحظ أن ثمة تداعيات أحرزتها على الإقليم، لعل أهمها بروز الطرح الطائفي بالمنطقة، ومخاطر الانقسام بين السنة والشيعة، فضلاً عن ظهور المد الإيراني المؤثر بداية بالملف العراقي ومرورا بالملف اللبناني وحاليا الوضع السوري ودعم النظام الاسدي سياسيا وماليا وعسكريا.

والحقيقة انه لم يعد سرا القول بان إيران ترى أن التدخل في شؤون الدول الأخرى وهز استقرارها يحقق لها الهيمنة والسيطرة على تلك الدول، وبالتالي تكون قوة إقليمية وحيدة (شرطي الإقليم) ويرى البعض أن تدخلها يكون عادة عبر دعم العناصر والعملاء والحركات مادياً وعسكرياً وإعلامياً بدءا من أفغانستان إلى العراق وفلسطين ولبنان مروراً بدول الخليج واليمن فضلاً عن اختراقاتها في سورية ومصر والمغرب ودول افريقية اخرى.

ولذا لا بد من معرفة الخلل في السياسة الإيرانية، من خلال تأمل المشهد الإيراني تاريخيا ، حيث تلحظ أن ثمة معادلة ما زالت مهيمنة عليه تتمثل في الاعتبار العقائدي والمصلحة الوطنية في ما يتعلق بعملية القرار السياسي داخليا وخارجيا.

بدأت ملامح المعادلة منذ نجاح الثورة الإيرانية في فبراير عام 1979م، حيث اتضح تغليب النظرة الأيديولوجية العقائدية، بدليل استخدام أسلوب تصدير الثورة ومساندة حركات المعارضة الإسلامية الراديكالية ودعمها ضد المصالح الأميركية، وقامت بالتعبئة لرجال الدين في العالم الإسلامي والتأثير عليهم فكريا بما يتفق مع أفكارها الثورية. لكن سرعان ما أخذت المعادلة منحى آخر عقب تولي رفسنجاني رئاسة الجمهورية، فكان التحول إلى البراغماتية والواقعية، حيث شهدت فترة خاتمي ابرز صورها، وهي مرحلة أكدت على تغليب المصالح الوطنية على الفكر الإيديولوجي مما جعل البعض يعتقدون أنها مرحلة دشنت مفهوم الدولة وأغلقت الباب على إفرازات الثورة.

كانت إيران في العهد الاصلاحي برئاسة رافسنجاني ثم خاتمي تمثل النضج السياسي والذي شهد تقاربا خليجيا- إيرانيا، وانفتاحا على العالم الغربي، ما خلق حالة من الثقة والارتياح والوفاق، وهيأ مناخاً تفاؤلياً في المنطقة والعالم، غير انه لم يلبث أن تلاشى هذا الشعور الايجابي مع مجيء الرئيس محمود احمدي نجاد الذي ترجم في مرحلته الرئاسية تكريس المعادلة القديمة التي تسعى لتغليب الطرح العقائدي الإيديولوجي على مصالح الوطن واهتماماته. ونستكمل الحديث والسلسلة في الاسبوع القادم.

————–

نقلاً عن الرياض 

-- د. زهير فهد الحارثي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*