الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الرفق في معاملة المستخدمين.. سمة المؤمن

الرفق في معاملة المستخدمين.. سمة المؤمن

لاشك ان قلب المؤمن مليء بالرحمة والعطف والمودة ويبرز تأثيرها في مساعدة المحتاجين على اختلاف هذه الحاجة مادية كانت ام معنوية ومعاملة المستخدمين لتشكل نبراساً يضيء قلوب الشاكرين للخالق سبحانه الذي اعطاهم، وهنا تكون القلوب احوج ماتكون الى الدعاء الطيب ونيل الأجر والمثوبة، وهناك من الناس من ابتلاهم رب العزة والجلال بقصور في الذهن وهذه الشريحة لاتتعمد الإساءة بقدر مايؤثرالقصور في الذهن كما اسلفت على تأدية الخدمة على اكمل وجه لا سيما الخادمات في البيوت، وفي بعض الأحيان لايظهر ذلك من خلال الكشف الطبي بمعنى ان المكتب استقدمها وفقاً للكشف الطبي.

وربما يعزى الخلل في العلاقة في بعض الأحيان بين الخادمات وربات البيوت الى هذه الجزئية، وكثير من ربات البيوت على قدر كبير من الفطنة والرحمة والعدل كذلك لأنهن ينظرن الى الجوانب الإيجابية بنفس المنظار للجوانب السلبية وبالتالي فإن الجوانب الإيجابية تكون اضعاف الجوانب السلبية وهكذا في التسديد والمقاربة وقبل هذا وذاك مخافة المولى وتجنب الظلم وقطع الرزق، فالبعض من المستخدمين او المستخدمات قد لا يتقن عمله أو يؤديه على الوجه المطلوب لأن قدراته محدودة بهذا الصدد ويعطي كل ما يملك ولا يستطيع أن يعطي شيئاً لا يملكه.

بل انه بالتعليم والتكرار والتدريب يستجيب وهذه الشريحة المظلومة تستحق الرحمة والرأفة من خلال فهم واقعها وتغليب البعد الإنساني من خلال التعامل معها والتي تعطي ما أوتيت من قوة ومقدرة في العطاء، ولربما تجد أيضاً من يعاني من قصور في الفهم والاستيعاب غير متعمد ويكون التصور موحياً بتعمد الإساءة وهو خلاف ذلك، فاكتشاف هذا الأمر ليس من الصعوبة بمكان ويتضح ذلك من التلقائية في التعامل، منيرة والتي تعمل في أحد مراكز التأهيل لاحظت بأن العاملات بالمركز ينهرن إحدى العاملات ويغضبن عليها وكانت منيرة تعطف على هذه العاملة وترحمها وهي لا تتقن عملها كما يجب، لذلك الكل كان يؤذيها بالكلام وأحياناً بالصراخ، وأخذت منيرة فترة وهي تراقب هذه العاملة وتبين لها بأنها تعاني من قصور ذهني أو بمعنى أصح فقدان جزء من التركيزولا تتعمد ذلك. 

بدأت منيرة مشوار دعم هذه العاملة من المركز نفسه إذ إنها أخبرت زميلاتها بأنها لا تقصد عدم الإتقان ولكن مستواها الذهني يفرض اللامبالاة أحياناً والتطنيش أحياناً أخرى، وهذا بدوره يحيلنا إلى التطرف في تقييم الأشخاص وتحديداً تقييم الأداء إذ أن البعض لا يراعي النواحي الإنسانية بهذا الخصوص.

وقررت منيرة أن تعد بحثاً بهذا الصدد لا سيما وأن خبرتها ودراستها في علم النفس قد منحاها أبعاداً تستطيع من خلالهما دراسة السلوك ورفع مستوى الأداء بأساليب حضارية وموضوعية راقية.

ولكي تثبت بحثها أو بمعنى أدق مشروعها التنويري حيال التعامل مع هذه الفئة فإنها رأت أن تقرن المشروع بالتجربة، فبدأت بمراقبة أداء هذه العاملة بعد أن تغيرت وجهة نظر زميلاتها جراء التصحيح وإزالة اللبس بهذا الخصوص.

وبدأوا يعاملونها بلطف وبحس إنساني تغلفه الرحمة التي أمرنا ربنا تبارك وتعالى فيها، بعد فترة وجيزة ومنيرة تراقب عن كثب أداء هذه العاملة تحسن مستوى أدائها بشكل ملحوظ.

ولاحظ هذا الأمر أيضاً زميلات منيرة في العمل، حتماً كان الانعكاس لرد الفعل أو بالأحرى المعاملة الحسنة أثراً بالغاً في استرجاع الملاحظات التي كانت تأتيها على شكل توبيخ وتقريع والعمل على تجاوزها بصيغة تلقائية.

كانت منيرة بحكم خبرتها وتمرسها في هذا المجال تدرك تماماً بأن النتيجة إيجابية، بل أن إحدى زميلات منيرة ومن فرط ندمها لعدم معرفتها هذا الأمر بادرت إلى تعليم هذه العاملة وهي تعرف القراءة والكتابة وبدأت بتدريبها على استخدام الكمبيوتر.

بدأ الذهن المحصور في زاوية الانتقاص والتهميش في التفاعل مع القيمة والقدرات وارتفاع مستوى الحس الإنساني صحيح أن قدراتها محدودة بيد ان قصورها الذهني ليس نهاية المطاف.

فمجرد إحساسها بالقيمة المعنوية المستلبة فإن هذا الإحساس شكل حافزا لاستغلال وتفعيل الطاقة كما يجب بل وتنمية المدارك حيث يشعر العاملون والعاملات بالدونية وسبب هذا الشعور هو المعاملة غير اللائقة.

وهناك من العلماء والمخترعين من سطروا بصماتهم وقدموا خدمات للبشرية ذات قيمة عالية وهم في بداية حياتهم كانوا في وظائف صغيرة، فمخترع الكهرباء توماس أديسون كان يبيع الصحف وغيره وغيره الكثير.

سرت منيرة بهذا التحول الإيجابي، بل وزاد من سرورها مبادرة إحدى زميلاتها بتدريب العاملة على الكمبيوتر والتي استطاعت بعد فترة من التدريب من إدخال البيانات، وكانت عوناً لصديقة منيرة التي شعرت بأن ضميرها مرتاح لأنها استطاعت تعويض إفرازات القسوة التي تتراكم كلما استبد الجهل بالعقول وكلما استوطن الاستعلاء بالنفوس.

كانت ثمرة هذا التصحيح والاعتدال في المعاملة مشروع بحث قيم مقروناً بتجربة أذهلت رئيس المركز حينما قدمت منيرة بحثها، وكيف أن هذه العاملة أصبحت لديها القدرة في إدخال البيانات، وقد تم تعيينها في إحدى الوظائف الشاغرة بهذا المسمى.

وأوصى رئيس المركز بطباعة البحث مشفوعاً بهذه التجربة ليكون تأسيساً سليماً وانطلاقة ترفع من مستوى العاملين والعاملات وتفعيل القدرات المعطلة من خلال احترام العقول التي وإن شابها شيء من القصور في ناحية معينة إلا أنها قد تثمر في نواحٍ أخرى متى ما تم تحفيز المعنويات على الإنتاج، وقبل هذا وذاك المساندة في كشف القدرات عبر الاستقراء الفطن ومن خلال فتح المجال ومنح الفرصة لتجسيد القدرة واقعاً ملموساً على الأرض

خلاصة الحديث ان الرفق كان وما زال شامخاً في تبوئه جميلاً في تصوره حاضراً في مخيلة المؤمن في حله وترحاله، وإذا كانت الكسور في المسائل الحسابية في بعض الأحيان تجبر ويطلق عليها كمصطلح اقتصادي عبارة (تسوية) فإن جبر الخواطر الكسيرة يندرج أيضا في نطاق (تسوية) أعم وأشمل ونتائجها لا تظهر في ميزانيات (مدققة) أو (غير مدققة) بل حينما تثقل موازين من جعل الرفق حليفه ولنا في نبي الهدى عليه أفضل الصلاة والتسليم اسوة حسنة وحسن تعامله مع من يخدمه قال عليه الصلاة والسلام (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه).

—————

نقلاً عن الرياض

-- حمد عبدالرحمن المانع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*