الأحد , 11 ديسمبر 2016

عندما تتحرك الأذناب

لايصدق عاقل أن المظاهرات الصاخبة التي إنطلقت خلال الأسبوع الماضي من إسطانبول لتنتشر تدريجيا لتعم عدداً من المدن التركية كانت بسبب قيام الحكومة التركية بنزع مجموعة أشجار في حديقة عامة لإقامة مركز تجاري مكانها أو كما ورد في أخبار أخرى لبناء قلعة عثمانية أثرية قديمة 

لفهذا أمر لايمكن تصديقه مع أن المطالبة بعدم قطع الأشجار والمحافظة على البقعة الخضراء من المطالب النبيلة التي تستحق التقدير والاحترام غير أن البعض إستخدم مثل هذا السبب كذريعة لتأجيج ما في النفوس وإخراج ما في الصدور وركوب الأمواج التي يمكن أن يستفيد منها لتحقيق مكاسب حزبية ثانوية . 

اندلعت المظاهرات في بداية موسم سياحي بعد عدد من الثورات في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن ووسط ثورة سوريا انطلقت قبل عامين وتحظى بتأييد تركي كبير وصراع مذهبي واضح الأمر الذي جعل من النظام الظالم في سوريا ينادي على الفور بنصح مواطنيه وتحذيرهم لتجنب السفر لسوريا ولم يتوقف الوضع عند هذا الحد بل سعى لقيادة حملة لتوظيف تلك المظاهرات لصالحه لتخفيف الضغط عليه جراء ما يرتكبه من مجازر وإنتقاما من الدور التركي المساند للثورة السورية وسعياً لتشويه صورة الحكومة التركية كنموذج سعى البعض للترويج له خصوصا في مجال دعم الحريات وحقوق الشعوب والوقوف ضد الطغيان والإستبداد . 

من جانب آخر، سعى آخرون من الأذناب الموجودين في الداخل لتأجيج الصراع الفكري وتصوير النظام التركي الحاكم بأنه نظام مستبد وقمعي وفاشل إقتصاديا وسياسياً وكل همه هو العمل على تغيير المجتمعات وهويات الشعوب مثل مافعلت بعض الأذناب الأخرى في بعض الدول العربية متناسين أن الحزب التركي الحاكم قدم أفضل النماذج لربط الدين مع الدولة وان من أوصل الحزب إلى مكانته الحالية هي صناديق الإقتراع وأن إستمراره طوال السنوات الماضية مقابل ماحققه من نتائج متفوقة قادت الإقتصاد التركي ليحتل المركز الثالث عشر إقتصاديا ورفع متوسط دخل الفرد من 3 آلاف دولار ليصل خلال عشر سنوات إلى 11 ألف دولار وأصبحت الصناعات والخدمات التركية نموذجا يحتذى به . 

كلا لم تكن أسباب المظاهرات في إسطانبول هي تلك الأشجار أو ذلك المركز التجاري أو القلعة القديمة المراد إعادة بنائها وخصوصا إذا عرفنا بأن ذلك المشروع قد اعتمد من قبل مجلس بلدية إسطانبول وبموافقة أعضاء حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، بل هم الأذناب من الأحزاب التي توالت عليها الهزائم في تركيا سواء على الصعيد السياسي او في محولة انقلاب على الحكومة المنتخبة وانضم لاولئك من سار على دربهم وحلفائهم من مجموعات يسارية متطرفة وعلى الرغم من قرار المحكمة الإدارية السادسة بإسطانبول وقف تنفيذ مشروع البناء في المنتزه إلا أن المتظاهرين واصلوا إحتجاجاتهم فالقضية أصبحت بالنسبة لهم فرصة ذهبية لضرب الحكومة الحالية وإستغلال وقوف الشرطة ضد المتظاهرين بإعتبار أنها قد إستخدمت القوة المفرطة في هذا الشأن والتنديد بأن مايحدث هو قتل للحريات وغيرها من التعبيرات الأخرى، كما أوضحت بعض الصور لتلك الإحتجاجات قيام المتظاهرين برفع زجاجات الخمر مما دفع بتساؤول واضح وهو ماعلاقة زجاجات الخمور بقطع الأشجار . 

إن لكل شيء ضريبة والحرب على الفساد والمفسدين له ضريبة واضحة، وعندما تسعى للإصلاح ونشر الخير فإنك تحرم بذلك المفسدين والمجرمين من أن يمارسوا جرائمهم وهذا الأمر سيغضبهم ويخرجهم عن طورهم وتجدهم ينتظرون كل فرصة للإعلان وخصوصا وإن كانت الحرب لاتقتصر على اعداء الداخل من الأذناب الذين قد يفعلون أي أمر في سبيل تحقيق أهدافهم فضلا عن وجود أعداء الجوار الذين يتربصون بكل مافيه خير وصلاح للأمة. 

———————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. إبراهيم محمد باداود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*