الجمعة , 9 ديسمبر 2016

القدوة

ما أحوجنا اليوم إلى القدوة الصالحة، ذلك الذي تصدق أقواله وأفعاله، القدوة الذي يقف عند قول الله وعند قول رسوله صلى الله عليه سلم، قدوة لا تحركه العواطف ولا تأثر فيه المواقف، لا يبحث عن مال أو ينضم لحزب، قد تحرر من الأحزاب وتمسك بالكتاب وارتبط برب الأرباب، فلا يربط الناس إلا بالوحي من السنة والكتاب، رجاع، أواب، تواب لا تضره فتنة ولا يدعو لنفسه أو حزبه على حساب دينه، إذا أذنب تاب واعترف، ما أحوج إلى من يقتفي الناس آثارهم أو يتأثرون بأقوالهم أو يتابعونهم على فتاويهم، ما أحوجهم اليوم إلى أن ينظروا في أقوالهم ويراجعوا فتاويهم، لأن القدوة يزل ويخطأ ولا يضره ذلك إذا اعترف بالذنب والخطأ.

فهذا قدوة اقتفت البشرية أثره وتمسك بسنته من تمسك، أذنب ولكن سرعان ما اعترف بذنبه وتاب إلى ربه {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (23) سورة الأعراف، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (37) سورة البقرة. 

ما أحوجنا إلى أن نقتفي أثر آدم في سرعة الأوبة والرجوع والتوبة، وهذا موسى عليه السلام قدوة للبشرية في جهاده وبذلة وتضحيته، واجه ما واجه من كروب وخطوب.

فلما رجع إلى مصر قال له فرعون (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، قال موسى {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ, فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} ( 20-21) سورة الشعراء، هكذا اعترف موسى ولم يراوغ، فقال (فعلتها إذاً وأنا من الضالين)، فلم يضره أن يعترف بخطئه بل زاده ذلك رفعة عند الله وعند أتباعه من المؤمنين.

ونوح عليه السلام استمر في دعوته فكان هو القدوة الصالحة للبشرية في بذلة وتضحيته ودعوته سراً وعلانية، صبر وصابر وما آمن معه إلا قليل، لم ينظر لكثرة المتابعين له أو يهمه أن يجمع جماهير الناس، بل كان همه الدعوة إلى الدين الخالص حتى وإن قلّ الموافقين له، لأن العبرة عند نوح بالحق ولو قلّ أتباعه أو قلّ المتمسكون به، فما آمن معه إلا قليل، لبث يدعو ألف سنة إلا خمسين عاماً. 

وقل للشبان وغيرهم أن من اقترف ذنباً أو ارتكب جريرة حتى ولو قتل نفساً فإنه إن تاب وأناب وصحح مساره فلعله أن يكون قدوة للناس، فهذا موسى عليه السلامتل نفساً ثم هرب وطُلب للمحاكمة فأصبح في قائمة المطلوبين، ثم رجع من مدين حتى أتى مصر وكانت العاقبة لموسى فأصبح قدوة للأنبياء، مع أن موسى قتل نفساً أصبح قدوة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يضر الشاب ما اقترفها من آثام وما فعلها من ذنوب إن تاب وأناب. 

كما أن موسى عليه الصلاة والسلام مدرسة عظيمة، فهو قدوة أيضاً لطلبة العلم الذين يبحثون عن العلم في مظانه، فلا يقف علمهم عند موقع إلكتروني أو قناة فضائية، فموسى عليه السلام مع منزلته الرفيعة تواضع وأكره نفسه وأهانها وسافر ليأخذ العلم عن رجل هو أقل منه منزلة الخضر عليه السلام. وما أحوج الدعاة اليوم -وأقصد المشاهير منهم الذين ينظر الناس في أقوالهم ويتأثرون بأفعالهم ويتناقلون تغريداتهم- ما أحوجهم إلى أن يدرسوا حياة الأنبياء، وكيف كانوا مدارس في تعليم الناس أمور دينهم وغرس العقيدة في نفوسهم والصدق معهم والبعد عن تحقيق أهداف خاصة، أو مطامع دنيوية، فيوسف كان مدرسة في البعد عن الفتن دقها وجلها،كيف صبر على فتنة النساء مع ما حصل له من إغراء وهو غريب مستضعف شاب فيه ما في الرجال من شهوة مع ذلك صبر: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (90) سورة يوسف. 

القدوة الصالحة هو الذي لا تحركه العواطف فلا يجامل جماهير الناس: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} (39) سورة الأحزاب، قال قبل ذلك {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (37) سورة الأحزاب، يخاطب إمام الدعاة عليه السلام فيقول له (تخشى الناس، والله أحق أن تخشاه)، أي أنك تخشى أصحابك ومحبيك ومن هم على ملتك. 

فينبغي للقدوة الصالحة ألا يبحث عن الجماهير وعن رغباتهم، فإنهم إن رضوا عنه سيسخطهم الله، والعاقل يطلب مرضاة الله، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. وأخيراً لا يمنع أن ينتفع القدوة بما هو أقل منه، فإن الحق ضالة المؤمن. وإلى اللقاء….. 

*- المدير العام المساعد لفرع وزارة الشؤون الإسلامية بمنطقة القصيم

fh3300@hotmail.com 

—————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- *فهد بن سليمان بن عبدالله التويجري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*