السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عاصفة في تركيا.. ماذا هناك؟

عاصفة في تركيا.. ماذا هناك؟

1 – المحور الأول في هذا المقال: تقرير إخباري تاريخي: 

كيف كانت بداية الثورة الفرنسية؟.. بدأت بشائعة تقول: إن السلطات الحكومية ستنفذ حكم الإعدام في سجناء الباستيل. وما إن ترددت الشائعة حتى زحفت الجماهير على (الباستيل)، فكان ما كان بعد ذلك.

وبسبب مقتل أمير نمساوي تفجرت الحرب العالمية الأولى التي ترتب عليها تبدل موازين القوى العالمية، وتغيرت خرائط سياسية وجغرافية، ولا سيما في أوروبا.

وكان الفتيل الذي أشعل الانتفاضة في تونس هو إحراق شاب تونسي نفسه: احتجاجا على بطالة وإهانة.

والانتفاضة في مصر، كانت لها مناسبة مباشرة، وهي وفاة شاب إسكندراني في قسم للشرطة بعد تعذيب شديد كما عرف على نطاق واسع.

ومن قبل تفجرت ثورة عام 1964 في السودان بعد مقتل طالب في جامعة الخرطوم.

وبسبب تعديل عمراني في ميدان تقسيم في تركيا: هبت هناك عاصفة اجتماعية سياسية على رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان.

ما معنى ذلك؟.. هل معناه أن ما جرى في فرنسا وسراييفو (حيث قتل الأمير النمساوي)، وفي تونس ومصر والسودان سيجري مثله في تركيا؟

لا.. ليس هذا هو المراد من إيراد الوقائع السابقة (فالقياس مع الفارق لا يصح).. وإنما المقصود بالضبط هو:

أ – إن الأحداث الكبار تبدأ بأحداث صغيرة.

ب – إن الأسباب المباشرة للهيجان والغليان تكون مجرد إشعال الفتيل في ركام من المشكلات والأزمات الكبيرة التي بدت كالمرض القاتل الذي لا يبدو على السطح بادئ ذي بدء.

ج – إن النجاح النسبي لأي تجربة قد يورث أصحاب التجربة الاستعلاء والغرور كما يورثهم (الاسترخاء) والتثاؤب، فتجيء هزة الأحداث بالإفاقة من الغرور والخروج من حالة الاسترخاء (لذوي الاستعداد للاعتبار بما يجري).

2 – المحور الثاني في قضية ما جرى في ميدان تقسيم التركي، وفي أمثاله من الميادين هناك هو: أن (الديمقراطية ليست دواء من كل داء)، فلو كانت كذلك لما تعرض أردوغان لما تعرض إليه من نقد وهجوم ومطالبة باستقالته ورحيله!!، ذلك أنه قد وصل إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع.. وهذا يكفي (في نظر أصحاب نظرية أن الديمقراطية دواء من كل داء).

وحقيقة الأمر أن الديمقراطية أشد تعقيدا مما يتصوره دراويشها الجدد، أو يتصوره (الكسالى) الذين يميلون إلى مطلق التقليد اعتمادا على مقولة (إن باب الاجتهاد قد سد في مجال إدارة شؤون الدولة والمجتمع).

فليس يغيب عن الأتراك أن أردوغان قد انتخب ديمقراطيا، ولكنهم يدركون (ومعهم حق) في أنه من صميم الديمقراطية: التظاهر والاحتجاج السلمي ولذلك أخذوا يمارسون هذا الحق.. وهو موقف وافقتهم عليه قوى دولية تؤمن بالديمقراطية وتمارسها.. ومنها:

أ – الولايات المتحدة الأميركية، إذ قالت الناطقة باسم البيت الأبيض كاثلين هايدن: (نواصل متابعة الأحداث في تركيا بقلق لأننا ندعم حرية التعبير بما ذلك حق الاحتجاج السلمي).

ب – ألمانيا. فقد قال وزير خارجيتها: (إن الحكومة التركية تبعث بإشارات خاطئة إلى الداخل والخارج من خلال رد فعلها على الاحتجاجات. فإن الصور الواردة من ميدان تقسيم في إسطنبول مقلقة، وعلى رئيس وزراء تركيا أردوغان التحلي بروح القيم الأوروبية في هذا الشأن).

ج – أما وزيرة خارجية إيطاليا فلمحت إلى أن ما يجري في تركيا لا يعزز توجهات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

3 – المحور الثالث في هذه المسألة التركية هو (المسارعة الساذجة) إلى تفسير ما جرى بأنه (مؤامرة علمانية) ضد الإسلام وقيمه وجهود تمكينه (!!!!!!). فقد تعجل أقوام فقالوا: إن سبب الاحتجاجات هو أن الحكومة التركية قد سنت قانونا يحد من تعاطي الكحول وفق ضوابط جديدة تشمل كبت التشجيع عليه في الإعلانات مثلا.. ولهذا السبب ثار السكارى عليها بدليل أنهم كانوا يلوحون بزجاجات خمر في مظاهراتهم.. ويأتي هذا التفسير الساذج أو العاطفي لدرجة (البلاهة) يأتي في سياق تكرار مقولة إن (تركيا اليوم نموذج إسلامي)!!.. على حين أن تسبيب الاحتجاجات بالشغف إلى الخمر متهافت من أساسه. فهؤلاء المفسرون يعلمون كما يعلم الأتراك جميعا، بما فيهم حزب العدالة وقادته، يعلمون أن في تركيا ما هو أسوأ من الخمر، ومع ذلك لم تقم في تركيا مظاهرات تنكر ذلك الذي هو أسوأ من الخمر بكثير جدا.

وبهذه المناسبة نسأل: هل تشنق التجربة التركية الناجحة (بالمقياس الاقتصادي فحسب).. هل تشنق بـ(حبال العاطفة الإسلامية)، كما شنقت باكستان من قبل بتلك الحبال ذاتها.. شنقت حين قال قائلهم: إن باكستان تحيي سيرة الأنصار حين استقبلوا المهاجرين بحب وإيثار.. أما المهاجرون فهم الأفغان الذين هاجروا إلى باكستان في ساعة العسرة.. ثم هم شنقوا باكستان بحبال العاطفة الإسلامية حين وصفوا قنبلة باكستان الذرية بأنها (القنبلة الذرية الإسلامية). ولأول مرة نسمع أن العلوم الطبيعية تضاف إلى العقائد، وعلى كل حال هذا بدع من المسلمين ذوي العواطف الملتهبة وإلا فعند الكاثوليك والبروتستانت واليهود والأرثوذكس والهندوس قنابل نووية فلم توصف بأنها كاثوليكية أو يهودية أو هندوسية!!

مرة أخرى: هل تشنق التجربة التركية بحبال العواطف الإسلامية؟.. لم يكد حكم حزب العدالة التركي يستقر حتى تقاطرت الأحزاب الإسلامية على تركيا وكأنهم في عصر (الأستانة)، ولا سيما أن كثيرا منهم يحن إلى (عصر الخلافة) دون تصور علمي وعملي لإمكان وجودها وفائدته للمسلمين.. وهذا سلوك لا داعي له من جانب، وقد استفز أتراكا كثيرين من جانب آخر.. وكان النهج الراشد أن يدعوا الأتراك وشأنهم حتى ينضجوا بتجربتهم إنضاجا يستعصي على الكسر والإجهاض.. لقد نجح حزب العدالة في أن يبني تجربته الاقتصادية في بلاده بلا ضجيج، ولا عنتريات ولا شعارات مستفزة، فما له لا يعود إلى نهجه ذاك. وما للمهرولين نحوه لا يتعقلون فيتركونه وشأنه؟!

————————–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- زين العابدين الركابي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*