السبت , 3 ديسمبر 2016

تركيا إلى أين ؟

خيبة الأمل الأمريكية الناتجة عن تعاطي الشرطة التركية مع جموع المحتجين في ميدان تقسيم ، يمكن أن تتحول إلى أزمة حقيقية بين الإدارة الأمريكية ، وبين حليفها الاستراتيجي رجب طيب أردوغان ، رئيس الحكومة التركية .

التشدد الذي أظهره رئيس الوزراء التركي ، سواء عبر أداء الشرطة وباقي الأجهزة الأمنية ، أو عبر سيل المفردات العدائية والصفات الدونية ( رعاع ، مخربون ، سفلة ، إرهابيون ، عملاء ) التي أطلقها على جموع المحتجين ، عكست عمق الأزمة التي يعيشها الشارع التركي . لكنها عسكت أيضاً ، المدى البعيد الذي ذهب إليه أردوغان ، في الرهان على هشاشة المعارضة التركية مقارنة بحزبه . لكن هل يكفي هذا المعطى – على أهميته – في تبني خيار التصعيد الذي لجأ إليه رئيس الحكومة في الأزمة الأخيرة ؟ 

جموع المحتجين في الغالب ليست لديهم انتماءات حزبية ، أي أنهم لا يمتلكون واجهة سياسية تمثلهم . وهذا وإن كان يشكل نقطة قوة لأردوغان ، إلا أنه قد يكون مصدر خطر أيضاً . ذلك أن الأنظمة العربية التي سقطت خلال العامين الأخيرين نتيجة للاحتجاجات الشعبية ، كانت تواجه جمهوراً مماثلاً ابتدأت حركاته الاحتجاجية برفع مطالب إصلاحية ، ما لبثت أن تحولت إلى المطالبة بإسقاط نظام الحكم .. وهنا يجب أن ننتبه إلى مسألة خطيرة جداً ، فالجماهير التي أسقطت بعض الأنظمة في أكثر من بلد عربي ، أسقطت الأنظمة ممثلة في الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة .. فهل يعي أردوغان خطورة الموقف ، وهل استفاد فعلاً من الدرس التونسي ومن ثم المصري واليمني ؟

الحليف والشريك الاستراتيجي في واشنطن لا يريد مواجهة هذا الاحتمال ، وليس لديه الاستعداد للتعامل مع حالة فراغ سياسي في بلد بحجم تركيا ، يعول عليه الآن كثيراً في الصراع الإقليمي وفي المواجهة مع الدب الروسي أيضاً . 

أردوغان تتملكه قناعة بأن صراعه الحقيقي هو صراع حزبي ، لذلك هو لا يتعامل بجدية إلا مع هذه الجبهة . لكن المحتجين في ميدان تقسيم لا يقلون أهمية عن الأحزاب الأخرى التي لم تعد تمثل تطلعات الشباب التركي ، إلا إذا استثنينا الشبان المنتمين فعلاً لبعض الأحزاب . وهذه أقلية لا يعتد بها في الصراع الدائر الآن .

الأميركيون استشعروا الخطر منذ اللحظة الأولى ، ومارسوا انتقادات علنية لم يخل بعضها من القسوة لتنبيه أردوغان إلى خطورة الوضع . لقد بدأ أردوغان في الظهور بمظهر الخليفة العثماني ، وهي صورة مطلوب تسويقها أمريكياً في دول الجوار العربي ، لكن الأمريكيين يقفون من تسويق هذه الصورة في الداخل التركي ، موقف الرفض . إنه رفض نابع من إحساسهم بما يمكن أن يؤدي إليه تسويق هذه الصورة في الداخل ، من اصطدام بموروث الجمهورية التركية التي قامت على علمانية هي في الحقيقة أشبه بالفاشية المعادية للدين ، منها بالنموذج العلماني المتصالح مع الدين السائد في الغرب . 

الأزمة التركية دخلت منعطفاً خطيراً فعلاً . 

 

anaszahid@hotmail.com

——————

نقلاً عن المدينة 

-- أنس زاهد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*