الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » جلد الذات وغياب الحس النقدي

جلد الذات وغياب الحس النقدي

المبالغة في جلد الذات مصطلح نفساني يراد به الغلو في انتقاد الذات بشكل يجعل النقد انتقاصا لا معالجة موضوعية ومتأنية. وهو متداول في الساحة الفكرية العربية، ولكن بمعنى جلد الذات الحضارية. 

وهو كالأول نوع من الغلو في انتقاد الحضارة العربية ــ الإسلامية القديمة والحديثة إلى الحد الذي يجعلها خلوا من كل إنجاز وإبداع. وجلادو الذات هؤلاء ليسوا خصوما أو أعداء، بل من المحبين الذين بحثوا عن الكمال فلم يجدوا إلا النقصان.. وما دروا أن النقص طبيعة في الأشياء والأشخاص.

من أمثلة المبالغة في النقد، أو جلد الذات الحضارية، إحالة الإنجازات العربية القديمة إلى غيرهم من الأمم كالفرس والرومان والإغريق. فالفلسفة الإسلامية ــ مثلا ــ والتي امتدت من الكندي مرورا بالفارابي وابن سينا وانتهاء بابن رشد كانت مجرد نسخة يونانية مكتوبة بالعربية. 

وهذا بالتأكيد إفراط في التقليل من شأن الفلاسفة العرب القدماء.. وتجاهل للحقيقة التاريخية أو للقانون التاريخي الذي ينص على أن الحضارات ــ أيا كانت ــ لا تنشأ من الصفر، بل تكون لها مقدمات تاريخية من حضارات أخرى. 

فالحضارة اليونانية التي اشتهرت بالعلم والفلسفة والرياضيات كانت مسبوقة بممهدات أتت من حضارة المصريين القدماء وبلاد الرافدين وفينيقيا وغيرها. وعلى ذلك كانت الحضارة العربية القديمة؛ فهي مسبوقة بممهدات أتى أغلبها من الحضارة الفارسية ثم البيزنطية. ومن طريق بيزنطة انتقل الفكر الفلسفي الإغريقي إلى العرب.

جلد الذات ينشأ في الأساس من عاطفة الحب.. حب الذات. 

والحب يتطلب كمال المحبوب، وكما أشرنا آنفا، فإن السعي إلى الكمال له دور في ذلك. على الجانب الحضاري يكون جلد الذات الحضارية، والذي ينسف كل إنجاز للحضارة، نابعا من الإخفاق الراهن. حينما يلاحظ المرء أن حضارته أو دولته متأخرة يبدأ في تقمص دور المخلص أو المنقذ ويشرع في الدعوة إلى أسباب الحضارة بالكتابة والنقاش ونحوه. 

حينما يفشل المرء في مهمته الدونكيشوتية اليائسة ينقلب إلى صرخة مدوية تشجب كل شيء. بتعبير آخر، يتحول الحب إلى غضب وليس إلى كره، كما قد يتبادر للوهلة الأولى. هذا الغضب يمتد ليطال حتى مقومات الحضارة في الماضي. 

في حالة الغضب يفقد المرء الحس النقدي السليم، وهذا النقد قادر على فرز الصالح من الطالح في الحضارة وتراثها، فإذا فقد هذا الحس النقدي خلط الصالح بالطالح. الغاضب أو جالد الذات يرى الحضارة من بعد زمني واحد وهو المستقبل، يرى أن الحضارة لم تصل بعد إلى مستوى التطور، وأنها ستبلغه في المستقبل متى ما تخلت عن كل شيء من الماضي. 

وهو نسخة متطرفة ممن يسمى بالرجعيين أو الماضويين الذين لا يملكون ــ بدورهم ــ سوى بعد واحد للزمن وهو الماضي.. وأن مجد الحضارة كان ثم زال. وستصل الأمة إلى التطور من خلال الرجوع لا التقدم.

أما النظرة النقدية الصحيحة، فهي تستحضر أبعاد الزمن الثلاثة؛ لأنها تدرك أن الماضي ليس شيئا مضى وانتهى في سياق الحضارة والتاريخ؛ بل هو مستمر معنا.. وأفضل حل هو أن نحمله معنا على عربة الحاضر إلى أفق المستقبل.. فالتقاليد قد تكون إطارا للفعل والإبداع متى ما كانت مرنة وثرية. إنها حصيلة التجربة البشرية والتي لا يمكن نسفها أو تجاهلها كلها.

—————

نقلاً عن عكاظ 

-- شايع بن هذال الوقيان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*