السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أفغانستان والتقسيم الحتمي

أفغانستان والتقسيم الحتمي

إن الولايات المتحدة، التي لا تزال غارقة في مستنقع حرب مطولة في أفغانستان والتي تكبدت تكاليفها بالدم والمال، تعتزم فتح محادثات سلام رسمية مع طالبان، خصمها الرئيسي في ساحة المعركة، في الأيام المقبلة ”على الرغم من معارضة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي في اللحظة الأخيرة”. ومع إصرار الولايات المتحدة على سحب قواتها بعد أكثر من عشر سنوات من القتال، فإن المحادثات التي من المقرر أن تجري في الدوحة في قطر تهدف في الأغلب إلى تمكين الولايات المتحدة من القيام بذلك ”بشكل مشرف”.

ولكن الكيفية التي قد ترسم بها نهاية العمليات القتالية التي تقودها الولايات المتحدة مستقبل أفغانستان ستؤثر أيضاً في أمن الدول المجاورة وما ورائها. وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان مصير أفغانستان، التي أنشئت كمنطقة عازلة بين روسيا القيصرية والهند البريطانية، سيكون ــــ أو ينبغي له أن يكون ــــ مختلفاً عن مصير العراق وليبيا ”البلدين اللذين يشكلان خلقاً استعمارياً آخر تدخلت فيه الولايات المتحدة عسكرياً في السنوات الأخيرة”.

إن التدخل العسكري الأجنبي قد يؤثر في آلية تغيير النظام، ولكن من الواضح أنه غير قادر على إعادة تأسيس نظام يستند إلى حكومة مركزية. فقد انقسم العراق في كل شيء إلا الاسم إلى مناطق شيعية، وسُنّية، وكردية، ويبدو أن ليبيا تسير باتجاه تقسيم ثلاثي مشابه يقوم على ترتيبات تتفق مع الهيمنة القَبَلية. وفي أفغانستان أيضا، قد يكون التقسيم ”الناعم” على غرار ما حدث في العراق أفضل نتيجة ممكنة.

من جانبهم، لن يكتفي البشتون، برغم انقساماتهم القَبَلية، بالسيطرة على قطعة من أفغانستان تتألف من أقاليمهم الشرقية والجنوب شرقية الحالية. وسيسعون في النهاية إلى التكامل مع إخوانهم البشتون في باكستان، عبر خط ديوراند الذي رسمته بريطانيا ــ وهي الحدود التي لم تعترف بها أفغانستان قط. ومن هنا فإن المطالبة بدولة ”بشتونية كبرى” سيشكل تحدياً لسلامة الأراضي الباكستانية ”التي تُعَد هي ذاتها خلقاً استعمارياً مصطنعا”.

وحقيقة أن الجماعات العرقية في أفغانستان تتركز في مناطق جغرافية متميزة من شأنها أن تبسط التقسيم وتجعل دوام الحدود الناتجة أكثر ترجيحا، على النقيض من تلك التي رسمها المسؤولون الاستعماريون، الذين اخترعوا دولاً بلا هوية وطنية أو جذور تاريخية. والواقع أن المجموعات من غير البشتون في أفغانستان تمثل على المستويين الجغرافي والديموغرافي أكثر من نصف البلاد، ويشكل الطاجيك، والأوزبك، والهزارة ما يقرب من 50 في المائة من السكان.

الواقع أن الولايات المتحدة، بعد خوض أطول حرب في تاريخها، وبتكاليف بلغت عشرات الآلاف من الأرواح وما يقرب من تريليون دولار، أصبحت منهكة من القتال ومرهقة ماليا. ولكن الجهود الأمريكية الرامية إلى عقد صفقة مع طالبان البشتونية المدعومة من باكستان تثير انزعاجاً عميقاً بين المجموعات غير البشتونية، والتي عانت كثيراً تحت حكم طالبان الذي دام خمس سنوات. ”فقد عانى الهزارة المضطهدون تاريخيا، على سبيل المثال، عدة مذابح واسعة النطاق”.

وفي حين كان كرزاي مذبذبا، على أقل تقدير، بشأن التعاون مع الأمريكيين ”الواقع أنه تراجع منذ ذلك الوقت عن المشاركة في محادثات الدوحة”، فإن تمزق تحالفه السياسي مع زعماء القبائل غير البشتون كان أيضاً سبباً في تغذية الاستقطاب العرقي. ويواصل بعض سماسرة السلطة من غير البشتون دعم كرزاي، ولكن كثيرين آخرين يقودون الآن الجبهة الوطنية المعارضة.

لا شك أن أمن الحدود القائمة أصبح يشكل قاعدة قوية في السياسة العالمية. ورغم هذا فإن هذه القاعدة سمحت بنشوء دول غير قابلة للحكم ولا الإدارة، والتي تمتد حروبها الداخلية عبر الحدود الدولية، فتغذي التوترات الإقليمية وانعدام الأمن.

ومع نفاد صبر الولايات المتحدة التي أنهكتها الحرب، فإن القوى الخارجية ليست في وضع يسمح لها بمنع تقسيم أفغانستان على نحو أشبه بما حدث في العراق ”أو حتى ما بعد يوغوسلافيا”، في ظل توقع اندلاع أعنف المعارك وأكثرها دموية للسيطرة على مناطق استراتيجية ذات عرقية مختلطة، بما في ذلك كابول. وفي هذا السيناريو، فإن الجنرالات الباكستانيين، بدلاً من الاستمرار في رعاية الجماعات المتشددة البشتونية في أفغانستان ”مثل طالبان وحلفائها مثل شبكة حقاني”، سيضطرون إلى محاولة درء تهديد خطير محتمل لوحدة باكستان.

خاص بـ “الاقتصادية”

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2013.

——————

نقلاً عن الاقتصادية

-- براهما تشيلاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*