الجمعة , 9 ديسمبر 2016

حالة مثالية

لا يوجد مجتمع مثالي تماماً، ففي أنقى وأفضل المجتمعات وهو مجتمع النبوة عندما كان الوحي ينزل لم يخلُ ذلك المجتمع من الشوائب. هذه هي طبيعة البشر! لذلك فإن أفضل ما يمكن عمله هو مكافحة الشر وتكريس الفضيلة، أما «اقتلاع» الشر بالكامل فهو مسألة مستحيلة ولا يمكن تحويل كل الناس إلى بشر مثاليين. 

هذه الحقيقة لا تثبط من يتعاطى الكتابة من تناول المشكلات الاجتماعية. وأقول لذلك الأخ الذي كتب لي متسائلاً عن جدوى الكتابة في ظل تلك الحقيقة المؤلمة التي تؤكد أن المشكلات التي تعاني منها المجتمعات ستظل دائماً موجودة بغض النظر عن جهود المصلحين، أقول له إن الإيمان باستحالة وجود مجتمع مثالي بالكامل وما ينطوي عليه من اعترافٍ بأن المجتمع سيظل يضم فئة من المنحرفين والأشرار أن هذه الحقيقة كافية لكي تحفز كل المهتمين بتقدم وصلاح المجتمع على مواصلة جهودهم سواء كانوا كتاباً أو معلمين أو وعاظاً أو في أي جهة ذات تأثير. 

نحن عندما نكتب عما نراه في المجتمع من مظاهر غير سوية لا ننشد الوصول إلى «حالة مثالية» لأننا مهما كتبنا فلن نصل إلى ما يسمى «المدينة الفاضلة» التي حلم بها أفلاطون والفارابي وغيرهما من الفلاسفة والمصلحين منذ آلاف السنين ولم تتحقق. كل ما يصبو إليه من يتعاطون الكتابة في الشأن الاجتماعي هو محاصرة بؤر الشر والتخلف وتوسيع دائرة الفضيلة والتقدم. 

من أجل ذلك تأتي المتابعة المستمرة للقضايا الاجتماعية، ومن أجل ذلك يجب أن تستمر. ولو فرضنا، جدلاً، أن كل المشكلات التي يتطرق لها الكتَّاب اختفت ولم يعد لها وجود فإن تطورات المجتمع وتغيراته ستخلق مشكلات وتحديات جديدة، وسوف يكون من واجب الكتَّاب وجميع المهتمين بالإصلاح الاجتماعي مناقشتها وتقديم الاجتهادات للتعامل معها وإيجاد الحلول لها. 

ولعلنا نتذكر كيف كانت المطالب التنموية للمجتمع قبل عشرين أو ثلاثين سنة سابقة! بل يمكن أن تعود بنا الذاكرة إلى مساحة زمنية أبعد من ذلك بكثير فنتذكر بساطة طموحاتنا وآمالنا وما كنا نريد تحقيقه من منجزات مادية تنموية لمجتمعنا! لقد أصبحت تلك المطالب واقعاً نعيشه الآن وصرنا ننظر إليها من قبيل تحصيل الحاصل. في المقابل، برزت مشكلات عويصة لم تكن موجودة سابقاً، ومنها بعض المشكلات السلوكية التي يتورط فيها شبابنا ونشكو منها بمرارة! 

خلاصة القول إن المساهمة في الإصلاح والتقدم الاجتماعي معركة مستمرة، لكننا مهما نجحنا في جهودنا فلن نصل إلى حالة مثالية ولا إلى «المدينة الفاضلة». 

alhumaidak@gmail.com – – – alawajh@ تويتر 

ص.ب 105727 – رمز بريدي 11656 – الرياض 

——————————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبدالواحد الحميد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*