الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مصر.. ربيع في وقت الخريف

مصر.. ربيع في وقت الخريف

دون شك أن المشهد المصري يثير أسئلة كثيرة حول الديموقراطية في العالم العربي، وهذه الأسئلة تتركز دائماً في مدى استعداد المجتمعات العربية للتحول الديموقراطي

الأحداث المتسارعة التي جرت في مصر الأيام القليلة الماضية تجعلنا نعيد حساباتنا بشكل كامل فالربيع العربي، أو ما كنا نتوقع أنه ربيع صار يتحول إلى شيء آخر لا نستطيع تعريفه وتمييزه، ويبدو أنه صعب أن يكون هناك ربيع في وقت الخريف فالعالم العربي يمر بأسوأ فتراته التاريخية ويصعب أن يحدث تغيير حقيقي في منطقة عانت من الجمود فترة طويلة من الزمن. لا أنكر ابداً أنني كنت من المتفائلين ونحن أحوج ما نحتاج إليه التفاؤل مع هذه المصائب والكوارث التي تحيق بنا، لكن حتى التفاؤل لا يستطيع أن يغير من الوضع شيئاً فسرعان ما تتكشف الأوضاع، وسرعان ما يتجسد الواقع المخيب للآمال. المصريون لم يستطيعوا أن يصبروا على رئيسهم الجديد بعد ما عانوا لعقود طويلة ولا ألومهم، ولكن لن يأتي رئيس بحل سحري وفوري … فقد يكون الرئيس القادم مرضياً عنه وكيف سيكون مرضياً عنه. ما لاحظته شخصياً أن الرئيس المخلوع “مرسي” لم يقنع المصريين منذ البداية، ولم يستطع الوصول إلى قلوبهم وهذه كانت بداية المشكلة، لكنه كذلك ارتكب أخطاء فادحة زادت الهوة بينه وبين الناس، وأول تلك الأخطاء فرض الدستور بالقوة دون أن يفكر في النصف الآخر غير الراضي عنه.

المهم الآن هو أن المصريين خرجوا وفرضوا التغيير من خلال الشارع وهذا هو الدرس الثاني لأي رئيس قادم، كيف سيتعامل مع الشارع؟ وكيف سيتعامل الشارع معه. الأمور تحمل في مضمونها معاني كثيرة تشير صراحة أن سقف التوقعات لدى المواطن المصري ارتفع كثيراً ولن يقنعه أي رئيس يبحث عن “الحلول السهلة” والممكنة، فالمطلوب شيء آخر لكي يتمكن أي رئيس قادم من إرضاء هذه التوقعات الكبيرة. الربيع العربي أتى برياح غير مرغوبة على المنطقة العريية، وبدلًا من أن تتفتح الأزهار اكتشف الجميع أن الجو يجبرهم على غلق النوافذ. السؤال الذي يجب أن نطرحه ماذا لو تم انتخاب رئيس جديد في مصر ولم يرضَ عن أدائه الناس؟

الأمر الآخر هو: هل ما حدث في مصر هو إنقلاب عسكري أم هو تصحيح سياسي واجتماعي واستكمال لثورة 25 يناير؟ هذا السؤال الذي طرح كثيراً في الفترة الأخيرة وزاد اللغط حول الشرعية وأن الرئيس المخلوع ماكان يجب خلعه عن طريق الجيش بل عن طريق صناديق الانتخابات. المسألة هنا جدلية ولكن كان على الرئيس مرسي وهو يرى ملايين المصريين في الشارع أن يستجيب لمطالب الشعب المصري، وأن يجري انتخابات مبكرة، وألا يفكر أصلًا في إحداث بلبلة، ويجر البلد إلى العنف والمواجهات، لأن الوضع لم يكن يتحمل أي نقاش حول شرعية الرئيس من عدمها فالمشهد كان يضغط نحو التغيير، وهذا أمر لم يختلف عليه أحد لكنه فات على سيادة الرئيس ومعاونيه. في اعتقادي أن مرسي فوت على نفسه الكثير من الفرص، وكان آخرها إصراره على عدم التنحي وإجباره الجيش على التدخل، فهذه الغلطة لن ينساها له المصريون ابداً.

لكن دون شك أن المشهد المصري يثير أسئلة كثيرة حول الديموقراطية في العالم العربي، وهذه الأسئلة تتركز دائماً في مدى استعداد المجتمعات العربية للتحول الديموقراطي، في ليبيا الوضع لا يبشر بالخير، وفي تونس حركة تمرد تجمع توقيعات لإسقاط الرئيس المؤقت، وفي اليمن هناك اعتراضات يومية على قرارات الرئيس، والهوة بين الشمال والجنوب تتسع كل يوم، وفي مصر لم يستطع المصريون تحمل رئيسهم الذي انتخبوه أكثر من عام، وفي سوريا لا يوجد هناك مستقبل والصورة مشوشة، وفي العراق كل يوم قتل وتفجير وعشرات الضحايا، وباقي العالم العربي يترقب ويتفرج ولا تعلم إن كان يتألم أو فقد الإحساس. هناك من ينتقد الديموقراطية في المنطقة العربية ويقول إنها استعبادية وإقصائية، ولا تكون مقبولة إلا في حالة واحدة أن ينتصر الأقوى وليس الأصلح. لذلك فهم يرون أنها “ديموكتاتورية”، اي ديموقراطية الدكتاتوريين، فمن ينتصر يجب أن يكون هو “الحاكم بأمر الله” كما يفعل المالكي في العراق هذه الأيام.

والذي يظهر لي أنه يصعب تصور حال المنطقة العربية خلال العقد القادم، فالحراك في المنطقة ينقصه “النضج” السياسي والثقافي، والهوى يغلب على العقل في مجمل القرارات، ويبدو أن سنوات التسلط الطويلة التي عانت منها المنطقة العربية جعلت من الصعوبة تصور الحكم دون ” قوة”، وهذا في حد ذاته يوضح درجة التواؤم التي وصلت إليها المجتمعات العربية. الحالة المصرية هنا استثناء إذ يبدو أن هناك مبالغة في رفض التسلط إلى درجة أنه لم تعد الديموقراطية المتعارف عليها تكفي في تحديد آليه اختيار وخلع الرئيس. يجب أن نعترف أننا أمام حالة تحول كبيرة ومفاجآت تمر بها المجتمعات العربية وهذا يزيد من ضبابية التوقع للشكل المدني العربي في الفترة القادمة.

أكتب هذا المقال في اليوم الأول بعد الثورة الثانية وبعد أداء الرئيس المصري المؤقت اليمين الدستورية، أي أن ردود الأفعال لم تبدأ بعد على قرار الجيش عزل الرئيس وما أتمناه أن الرئيس السابق مرسي والأخوان يغلبون مصلحة مصر على مصالحهم الشخصية ويبعدون بلادهم عن المواجهة التي لن تخدم أحداً وأن يتعلموا من الدرس جيداً ويبدأوا 

من جديد في العمل مع الجميع، فالعمل السياسي يجب أن يكون في حدود السلمية ويبتعد عن العنف لأن مجال الاختلاف فيه كبير.

—————-

نقلاً عن الرياض

-- د. مشاري بن عبدالله النعيم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*