الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » البنية الثقافية والسياسية.. بيئة الصراع وأدواته!!

البنية الثقافية والسياسية.. بيئة الصراع وأدواته!!

أصعب المراحل وأخطرها، تلك التي تعقب الانتقال من نظام إلى آخر بشكل جذري. استلم الاخوان الرئاسة، ولم يقدروا طبيعة المسؤولية في بلد يواجه تحديات كبرى. توالي القرارات والمواقف الخاطئة أدخلهم عش الدبابير، وعدم احترامهم للتوازنات، أضر بهم وراكم المخاوف من مشروعهم

البحث في عمق أزمات المجتمع العربي ربما يقدم وسط هذا الاستقطاب الحاد في بلدان الربيع العربي فهما أدق لماهية هذا التعطيل الذي ربما يحمل من الكوارث ما لا طاقة لهذه المجتمعات به.

مصر، الحالة العربية الكبرى التي يمكن من خلالها اكتشاف الدور الاكبر الذي تمثله البنية الثقافية والسياسية والاقتصادية في الصراع الذي قد يقود هذا البلد العربي الكبير والمؤثر إلى المجهول!!.

ليس اسهل من الانتصار لفريق دون آخر عبر توظيف معطيات حقوقية لا تلبث ان تتساقط هي الاخرى مع تطورات الاحداث وتوالي حلقات الصراع.

من المسؤول عن فشل تجربة ديمقراطية وليدة؟

كيف تحول الشارع إلى هدير صاخب؟

أين سؤال وماذا بعد؟ وإلى أين؟ وكيف يمكن تجاوز آليات ديمقراطية لم تترسخ بعد.. ثم العودة للاحتكام إليها؟

لن نفهم ما يحدث في المنطقة العربية إلا من خلال فهم طبيعة وتكوين مجتمعاتها. ولن نفهم ما يحدث من تطورات إلا من خلال فهم العلاقة بين النخب والجماهير. ولن نفهم مسار الاحداث إلا من خلال فهم العلاقات الاقليمية والدولية وعلاقتها بتطورات الحالة العربية. ولن نفهم عطالة أو فشل نظام إلا من خلال إدراك علاقته بأدوات السلطة ومفاتيحها.

الدولة الديمقراطية ليست فقط انتخابات ودستورا ومجلسا نيابيا.

إنها ايضا خضوع لقانون السلطة الذي يجعل ادواتها بيد الرئيس المنتخب لينفذ من خلالها برنامجه أو مشروعه، ويواجه بها ومن خلالها مسئولياته.

الديمقراطية تتطلب أدوات لحمايتها والاحتكام لقوانينها. علاقات القوى المرتبكة المتشككة من بعضها البعض تصنع عطالة منهكة وانهيارا سريعا في السلطة، ويجعلها بلا قيمة او جدوى طالما ظلت تحتكم لصندوق بلا حماية قانونية ومؤسسية.

لن تكون التطورات الاخيرة في المشهد المصري سوى عودة لحالة صراع ما قبل عامين. الديمقراطية في بيئة غير ديمقراطية ولا تتوافر لها ادوات الحماية، ستكون بابا مشرعا على فوضى ممتدة. الحرية يستحيل تجسيدها عمليا في مجتمع لا يعي مدلولاتها.. إنها تتحول الى حالة من الفوضى وتعطيل المسارات وانهاك المنهك، وتفتح الشهية اكثر على مكاسب السلطة ومغانمها.

هل هناك أي نظام ديمقراطي يمكن ان يعمل بمعزل عن قوة تحمي شرعيته، ويمارس من خلالها دوره في السلطة التنفيذية؟

هل يوجد أي نظام ديمقراطي عليه ان يرضي كافة الاطراف؟

لقد كان الفشل محتوما في ظل اجندات خفية وملامح صراع يتوارى حينا خلف الكواليس، ويظهر علنا في الازمات، ويجند طاقته بلا مواربة في اللحظات الحرجة والصعبة.

تعامل الرئيس المصري المعزول محمد مرسي مع الاطراف الفاعلة في الساحة المصرية او ما يسميه بالدولة العميقة بنوع من المدارة والمحاولة. ضعف الخبرة السياسية والانشغال بالفروع عوضا عن الجذور اضاعا الوقت في صراعات مع إعلام موجه عمل على تأجيج التوتر في بيئة جاهزة للانفجار نتيجة لأوضاع معيشة صعبة وحياة قاسية، وانفلات أمني واضح وأزمات وقود وغلاء مستمر وفاحش.. وفي بيئة فقيرة ومعدمة.

لقد ظل مسلسل الاخطاء يراكم السلبيات ويشيع الاحباط ويثير شارعا متوترا لا ينتظر سوى دعوة تمرد!!

أصعب المراحل وأخطرها، تلك التي تعقب الانتقال من نظام إلى آخر بشكل جذري. استلم الاخوان الرئاسة، ولم يقدروا طبيعة المسؤولية في بلد يواجه تحديات كبرى. توالي القرارات والمواقف الخاطئة أدخلهم عش الدبابير،وعدم احترامهم للتوازنات، أضر بهم وراكم المخاوف من مشروعهم. لم يكونوا بحاجة لخوض تجربة لم يكونوا مستعدين لها.. وها هم يدفعون الثمن الكبير. غياب الدهاء والخبرة السياسية وضع مصر في مأزق اشبه بحالة احتراب داخلي غير معلنة، ولم تكن النتيجة سوى هذا المأزق الذي دفع الجيش إلى إسقاط شرعية الاقتراع بشرعية الشارع الثائر مجددا.

المجتمعات التي خرجت من عهود القمع لفضاء حرية التعبير والتجمهر والتظاهر، إذا لم تكن تتمتع بقدرة على المحاكمة والاستشكال فهي تقع فريسة للنخب السياسية والادوات الاعلامية.. حيث تظهر البراعة في شيطنة الخصم حتى تصبح صورته مرتبطة بكل المصائب والكوارث والازمات والإخفاقات.. حتى لو جاء عبر آليات ديمقراطية لا يمكن ان يحسم أمر دونها.

إنها البيئة الثقافية الهشة التي تجعل الخروج في مظاهرة بلا هدف سوى الاحتجاج. والدخول في عالم المواجهات بلا تحفظ سوى من اجل الانتقام من خصم سياسي. وشراء المواقف بدلا من تكوين الطبقة السياسية المؤمنة بمشروع، والاستعانة بالقوة لمواجهة الخصم السياسي بديلا عن الأدوات السياسية. الظلم لا يدفع بظلم أفدح. والاخفاق لا يبرر تدمير ما تبقى من انجاز.

إنها الفرصة الضائعة التي لم يتقن حزب العدالة والحرية استثمارها على نحو يمنحه ثقة الجزء الاكبر من النصف المتحفظ على وصوله للسلطة.

السؤال اليوم: هل ستمر مصر من نفق الازمة الى فضاء تصحيح ديمقراطي، أم ستثور الازمات مجددا بين اطياف المعارضة على السلطة. وماذا عن التعامل مع الاحزاب والتيارات الاسلامية هل ستعود محاولة تحجميها. ماذا عن صندوق الاقتراع القادم اذا قدم شخصيات منها او محسوبة عليها؟

اذا وضع الجيش نفسه حارسا للدستور الذي يطمح لتعديله او إعادة صياغته عبر توافق مجتمعي، ثم اشرف على انتخابات قادمة نزيهة وشفافة بمشاركة كافة القوى السياسية بلا اقصاء.. وإذا استطاعت الحكومة المؤقتة القادمة التعامل مع الخصم السياسي بروحية القانون دون تغول أو اقصاء.. وإذا استطاعت ان تطمئن الجميع بأن مكتسبات ثورة 25 يناير راسخة ومحترمة.. حينها يمكن للجيش أن يكون ضامنا للدستور، مؤتمنا على تطبيقه، مراقبا لسلامة مسار أداء سلطة تعمل في إطار القانون والشرعية الدستورية.. وسيبقى هذا المسار الوحيد لتجاوز مرحلة صعبة وخطرة.

إما اذا انفتحت شهية الجيش لترشيح شخصية عسكرية من داخله لموقع الرئاسة أو التأثير في عملية سياسية لصالح فئات او تحالفات معينة، فحينها ستعود مصر للمربع الاول.. وستكون تلك السنوات الضائعة في رحى الديمقراطية وحروبها وصراعاتها عبثا وهباء. وستعود حالة الارتباك واضمحلال القدرة على صناعة طبقة سياسية فاعلة، مع الاخذ بالاعتبار مخاطر الاضطرابات المستمرة والمواجهات المعطلة… وربما حتى العودة لمربع الاستبداد القديم.

إن من أهم نتائج ثورة يناير أنها دمجت الإسلام السياسي في عملية جعلت أتباعه يثقون بقيم الديمقراطية، ويعملون تحت مظلتها، ويطورون مفاهيمهم تجاهها.. لقد تطورت مفاهيم جماعات واحزاب اسلامية كانت تعمل تحت الارض لتصل إلى مشهد سياسي يؤمن بالتوافق والتوازن وتطوير ادواته رغم حجم الاخطاء الهائل.. إلا ان العودة للمربع القديم ربما يعيد تلك الاحزاب او الجماعات لمربع الانكفاء على العمل السري وعدم الثقة بأي عملية سياسية ديمقراطية.. ما يؤدي لانشغال أي حكومة قادمة في ملاحقة اخطار حقيقية أو وهمية، ولكنها ستكون معطلة لمشروع أهم تتطلع إليه غالبية شعب يعاني الكثير من الازمات، وتستهلك قواه ملاحقة يوميات صعبة.. وهو يعاني العوز والحيرة.

——————-

نقلاً عن الرياض 

-- د. عبدالله القفاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*