الجمعة , 9 ديسمبر 2016

الحزبيون راحلون

رفع الحزبيون في كل الوطن العربي شعار”إنا قادمون” بعد فوزهم في الانتخابات التي شهدتها دول ما بات يعرف “بالربيع العربي” وتهيأت النفوس والأنظمة السياسية لقبول هذا الوافد الجديد بما يحمله من مشروع الدولة الدينية ونظام الخلافة عبر مداخل شتى تتقاطع عند إستراتيجية “أسلمة الدولة والمجتمع” . 

فكان صراعهم مركَّزا ، في مرحلة عدّوها حاسمة ومصيرية ، وهي مرحلة صياغة دستور ما بعد الثورة على أسس ومبادئ هم أشد حرصا على تضمينها في الدستور ، وفي مقدمتها التنصيص على إسلامية الدولة وسمو الشريعة الإسلامية على كل التشريعات والمواثيق الدولية . 

هي إستراتيجية محبوكة بدقة وذات أهداف واضحة وأخرى مبطنة تمكّنهم منها تلك المفاتيح الدستورية التي هي مبثوثة في الوثيقة الدستورية بمثابة “مسمار حجا” يتم توظيفه واستغلاله عند اللحظة المناسبة للإجهاز على كل البنيان الدستوري والإطار الدولتي . 

كانت هذه خطة الإسلاميين في كل الدول التي شهدت “ربيعا عربيا” وانخرطت في تعديل الدستور أو تغييره . لقد أغرت نتائج التصويت في الانتخابات لصالح الإسلاميين قياداتهم باكتساح الدولة وغررت بهم أنهم القوة الوحيدة التي ستسود لأنها مسنودة بالشعب وبالدستور وبالله ؛ ولن تستطيع أي قوة زحزحتها. 

إذ لم يستوعب اﻹسلاميون أنهم جزء من القوى السياسية الفاعلة في المجتمع إلى جانب قوى أخرى كالأحزاب والجيش واﻷمن ورجال اﻹعمال والشباب والنساء ، بل اعتقدوا أنهم القوة الوحيدة التي تمثل وجدان الشعب وتعبر عن تطلعاته. 

بسبب هذا اﻻعتقاد وهذا الوهم الذي لم يتخلص منه اﻹسلاميون رغم الدرس الذي قدمته التجربة اﻹسلامية في الجزائر سنة 1992 حين تدخل الجيش وألغى نتائج اﻻنتخابات التي فازت بها جبهة  اﻹنقاذ اﻹسلامية . مشكلة اﻹسلاميين إذن ، أنهم يعيشون أوهاما جعلتهم يعتقدون أن المجتمعات التي يعيشون فيها هي مجتماعت إما ضالة أو كافرة بحاجة إلى من يؤسلمها . والأسلمة لا تقتصر على المجتمع وحده ، بل تتعداه إلى الدولة وقوانينها ومؤسساتها . 

وهذا ما يجعل الإسلاميين يخوضون معركة وهمية هي معركة الهوية على اعتبار أن المجتمعات فقدت هويتها بفعل عوامل عديدة على رأسها الاستعمار والغزو الثقافي والتغريب . بهذا المنظور الهوياتي ينهج الحزبيون إستراتيجية ذات بعدين : 

البعد الأول يرمي إلى أسلمة المجتمع والدولة وأنظمتها في أفق إقامة نظام إسلامي هو نظام الخلافة الذي يتناقض في أسسه القانونية والمؤسساتية وكذا أهدافه  مع النظام السياسي المدني . فالدولة ، ضمن منظور الإسلاميين ، لا تنحصر وظيفتها في إدارة الشؤون  الدنيوية للشعب ، بل تتجاوزها إلى الإعداد للحياة الأخروية بحيث تكون الدولة مسئولة عن حاجيات الناس الدنيوية وكذا مصيرهم الأخروي . 

أما البعد الثاني فيتمثل في محاربة التيار “التغريبي” الذي يضم الليبراليين والعلمانيين واليساريين والاشتراكيين ، أي التيار المدني الذي يحرص على إقامة الدولة المدنية الحديثة التي تضمن للمواطنين حرياتهم وحقوقهم  بعيدا عن كل وصاية دينية أو عرقية أو مذهبية . 

فالحزبيون يعتبرون أن التيار المدني الحداثي  هو  المسئول عن “المسخ الهوياتي” وتشويه ثقافة المجتمع الأصيلة . إنها حرب القيم التي يخوضها الحزبيون وهي التي شغلتهم عن التصدي للمشاكل الحقيقية التي صوت الناخبون عليهم لحلها : مشاكل البطالة والفقر والتهميش والاستبداد . وباعتبار الإسلاميين لا يملكون مشروعا متكاملا لمواجهة وحل هذه المشاكل ، فقد نهجوا سياسة إشغال الناس بقضايا  وحروب تتعلق بالهوية وبالقيم . 

وقد أثبتت تجربة الإسلاميين في حكم مصر  ، ليس فقط في عجزهم الفظيع عن حل مشاكل المواطنين اليومية ، بل في تعميقها وخلق مشاكل لا قبل للشعب المصري بها؛ وكلها مشاكل مرتبطة بالهوية . 

فشاع خطاب الكراهية والتحريض ضد العلمانيين والليبراليين والشيعة والأقباط ، بل ضمت مصر تحت حكومة الإخوان مؤتمر “علماء المسلمين” لتكريس فقه الكراهية والتحريض ضد الشيعة وكل “الكفار” في حضور مرسي دون أن يهتز كيانه فيدرك أنه رئيس لكل المصريين على اختلاف طوائفهم . 

كما فتحت الفضائيات الدينية برامجها للتحريض على فئات واسعة من الشعب المصري التي خاضت ثورتها ضد  نظام مبارك وصوت قطاع واسع منها لفائدة مرسي . وهاهي مصر تعلن فشل المشروع اﻹخواني ، وكما كانت مصر مهدا لهذا المشروع صارت مثوى له . ولعلها فرصة لباقي الحركات الإسلامية التي تشارك في الحكومة أو تنافس عليها أن تراجع إستراتيجيتها ومشروعها المجتمعي لتدرك أن النظام الديمقراطي هو خيار كل شعوب الأرض ولا بديل عنه .

-- خاص بالسكينة: سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*