السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » انفتاح تركيا على العلويين

انفتاح تركيا على العلويين

في الأشهر الأخيرة، اتخذت تركيا خطوة لا يمكن تصديقها، فقد بدأت محادثات سلام مع حزب العمال الكردستاني، وهي مجموعة تصنفها أنقرة بوصفها جماعة إرهابية. لقد كان الحافز المهم لهذه الخطوة التي تمثل طفرة هو سياسة تركيا بشأن سوريا. إن تركيا تسعى إلى تغيير النظام في سوريا، حيث تدعم الثوار من أجل الإطاحة بنظام الأسد. ولأجل هذا الهدف، تحتاج أنقرة إلى كل الأصدقاء الذين يمكنها الحصول عليهم، حتى وإن كان ذلك يعني إجراء تعديلات مع خصومها السابقين. يتمتع حزب العمال الكردستاني بوجود قوي داخل سوريا، وبإرساء السلام معه تأمل تركيا في استمالته لصفها ضد نظام الأسد.

والآن، تقتضي الأزمة السورية أن تتخذ تركيا ثاني إجراء لا يمكن تصديقه، ألا وهو التواصل مع العلويين، في كل من سوريا وتركيا. وهذا من شأنه أن يساعد أنقرة على تجنب مخاطر عدم الاستقرار القادم من سوريا. «وفي الوقت الذي أصبحت فيه سوريا دولة ضعيفة ومنقسمة، وبلا هدف واضح للنزاع»، مثلما يشير بوضوح تقرير أخير لمجموعة الأزمات الدولية، فإن تركيا بحاجة إلى تكوين صداقات مع كل الجماعات السورية لضمان أن يكون بمقدورها إدارة حالة الفوضى هناك.

علاوة على ذلك، فإن التواصل مع العلويين السوريين سيمثل لفتة مهمة بالنسبة لطائفة العلويين التركية، التي تتركز في الأغلب في أقصى جنوب إقليم هاتاي، المتاخم لسوريا.

بدأت تظهر على السطح توترات بين الحكومة والعلويين الأتراك. وبعد أن بدأت أنقرة توفر ملاذا آمنا لجماعات المعارضة السورية والثوار المسلحين في خريف عام 2011، باتت تحدو العلويين في تركيا شكوك بشأن سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية. ولقد لعب العلويون دورا ضخما في المسيرات المعارضة لحزب العدالة والتنمية، بما في ذلك مظاهرة في 9 مارس (آذار) جذبت ألفي شخص ومظاهرة في نهاية عام 2012 شارك فيها ثمانية آلاف متظاهر. ومعروف إن العلويين في تركيا غاضبون من سياسة أنقرة تجاه سوريا التي ينظرون إليها بوصفها دعما مكشوفا للسنة السوريين، بما يضر بالعلويين السوريين.

وفي إطار سعيها للانفتاح على العلويين، تملك حكومة حزب العدالة والتنمية في أنقرة شريكا غير محتمل، لكنه مهم جدا: وهو حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي يحظى بشعبية بين العلويين الأتراك، وقد تواصل بالفعل مع نظام البعث في دمشق، ليحوز قبول العلويين السوريين الذين يدعمون هذا النظام.

لقد كان هؤلاء المبعوثون التابعون لحزب الشعب الجمهوري متعاطفين إلى حد ما مع نظام الأسد في سوريا. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2011، بعث الحزب وفدا عبر الحدود بناء على دعوة من الاتحاد النسائي السوري. وبعد زيارة دمشق وحماه واللاذقية، أعرب الوفد عن معارضته لـ«تدخل أجنبي في شؤون سوريا الداخلية». وأخيرا، زار أربعة من نواب حزب الشعب الجمهوري الأسد في دمشق في مطلع شهر مارس (آذار). وفي ضربة للعلاقات العامة، قوضوا سياسة حزب الشعب الجمهوري في سوريا، مؤكدين أن الشعب التركي «يرفض التدخل في سوريا».

واليوم، في الوقت الذي يفتقر فيه كثير من مؤيدي نظام الأسد العلويين إلى الثقة في حكومة أنقرة، لن يكون من المستحيل القول إن هؤلاء العلويين لديهم مشاعر أكثر دفئا تجاه حزب الشعب الجمهوري. علاوة على ذلك، فإن العلويين الأتراك، وهم طائفة تضم قرابة نصف مليون شخص، يفضلون أيضا حزب الشعب الجمهوري. وأشار استطلاع رأي أجرته صباحات أكيراز، عضو البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري، أخيرا إلى أن 83 في المائة من العلويين الأتراك دعموا حزبها في انتخابات عام 2011.

ومن شأن الانفتاح على العلويين السوريين أن يجلب منفعة كبيرة لكل من تركيا وشعب سوريا.

وتخشى أنقرة من احتمال أن يصل مدى النزاع بين العلويين والسنة في سوريا إلى أرضها، مثيرا توترات بين السنة والعلويين في هاتاي. ولهذا، فإن «الانفتاح على العلويين» – الذي يتزعمه حزب الشعب الجمهوري ويشجعه حزب العدالة والتنمية – يبدو منطقيا. وقد لا يرغب حزب العدالة والتنمية في مشاركة سياسة سوريا مع حزب الشعب الجمهوري؛ ولكن هذا يبدو واضحا في اهتمام حزب العدالة والتنمية بإشراك حزب المعارضة، ليسد الثغرات في سياسته تجاه سوريا.

قد يغرى حزب الشعب الجمهوري بالعمل مع حزب العدالة والتنمية، في حالة ما إذا قام الحزب الحاكم بتضمينه في عملية صنع القرار وثيقة الصلة بسوريا في أنقرة، مزودا حزب الشعب الجمهوري بملاذ. لقد اتخذت تركيا بالفعل بعض الخطوات الإيجابية تجاه العلويين السوريين، على سبيل المثال إنشاء أحياء مستقلة في هاتاي للعلويين الذين يرغبون في ترك نظام الأسد. كما ان لجنة مشتركة من حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري لمناقشة أوضاع سوريا من شأنها أن تبعث بالرسالة الصحيحة إلى العلويين السوريين والأتراك بالمثل.

إن سوريا تتفكك إلى دولة ضعيفة مقسمة، وبصرف النظر عن بقاء الأسد أو رحيله، فسوف تواجه تركيا حالة عدم استقرار متنامية على عتبة بابها خلال السنوات المقبلة. ولسوء الحظ، سوف يشكل النزاع بين السنة والعلويين محورا رئيسا لحالة عدم الاستقرار هذه. إلا أن بإمكان أنقرة، التي تربطها بالأساس علاقات قوية بالسنة السوريين، أن تقلل من تعرضها لهذه المخاطر إلى أدنى حد ممكن بإقامة جسور مع العلويين السوريين. وقد يكون حزب الشعب الجمهوري الشريك المثالي لأداء هذه المهمة.

* زميل بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهو مؤلف الكتاب الذي سيصدر قريبا بعنوان «صعود تركيا: أول قوة إسلامية في القرن الحادي والعشرين»

————————

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- سونير كاغابتاي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*