الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التضامنُ العلميُّ الفكريُّ بالتَّقْوى

التضامنُ العلميُّ الفكريُّ بالتَّقْوى

ن عقيدتي السلفية ما هو علاجٌ لِما أظهرته المشاهَدةُ من واقع العصر الذي أعيشه الآن؛ فقد انتشر القلمُ، وظهرت كتبُ التراث مُحَقَّقَة، وانتشر عطاءُ الأمم بالترجمة، وبدراسات ذوي التخصُّص في فرعٍ من ثقافة كل أُمَّة وهو يُجيد لغتها.. وكان هذا العطاء الإنساني المُتدفِّق منه ما هو 

لِخاصَّة الخاصة في العلوم الدنيوية النافعة كالطب والهندسة، وجمهوره وأكثره ثقافة شعبية في الفلسفة العامة، وفلسفات اللغة والتاريخ والفلسفات الجمالية والدراسات التطبيقية في الفنون الجميلة وفي قِمَّتها الرواية والشعر.. وتَلقَّى هذا الدَّفْق من العطاء الإنساني عُقولٌ لا يُستهان بها من شبابنا وكهولنا.. وتيسَّرت وسائل جلب مفردات العلوم بأسرع ما يمكن من وسائل الاتِّصال.. وهذا الانتشار الثقافي والعلمي والفكري السريع أحدث مَوْجةً عارمةً من الشَّتاتِ بين أبناء الأمة الواحدة أرجو الله أن يمحق آثار التدابر والتنافر من جرائها مع الجد في الانتشارِ نفسه بتضامنٍ جماعي مبني على وعي عقلي، وتقوى في القلوب تعمر السلوك.. 

وأُلخِّص عناصرَ الشتات في التالي: 

العنصر الأول: ظهر في هذا العصر جيل مُثَقَّف بالعطاء الإنساني ما بين مبهورٍ بمُجْمله ومُحقِّقٍ ميزتَه بلا انبهار بالمُجْمل.. ويقابلهم طلبةُ علمٍ شرعي، وحملةُ تراث في اللغة والتاريخ والآداب مما يُعبَّر عنه بثقافة الأمة الإسلامية والعربية التاريخي إلى الفاصل المُحدَّد بإطلالة نابليون على الشرق الأوسط، وأُطْلِق عليه ( عصر النهضة الحديثة )..

ومجمل هؤلاء عاطلون عن الثقافة الإنسانية، وبعضهم يتمظهر بذلك عن غير وعي كأولائك التراثيين الذين ينتقدون أدب الحداثة بإجمال برؤية تاريخية سالفةٍ ضيِّقة، وهم يحسبون أنهم فهموا الحداثة ولم يفهموها مع أن حِسَّهم الجمالي مُتَبلِّد، ولو فهموها وهم ذوو حِسٍّ جمالي لوجدوا ما يطربهم، ولكانوا على وعيٍ فكري علمي بما هو غير كياني، وما كان تَلَقِّيه عن انبهارٍ ليس فيه سوءُ قصد، وما كان استرحالاً مُعادياً مدروساً من الملِّي والنِّحلي والطائفي الشعوبي؛ فكان هؤلاء العاطلون من ثقافة العصر مَحَلَّ ازدراء من المثقَّفين في الغالب، ولحيويَّة عقول المثقفين كانت عندهم جرأةٌ على نقد الموروث من الشرع المطهَّر ومن ثقافة الأمة التاريخية..

مع أن توسُّعَهم الثقافي، أو انكبابَ بعضِهم على حقلٍ ثقافي مُعَيَّن لم يُتِحْ لهم فُرْصَةَ التفرُّغ التخصُّصي لتلقِّي الموروثِ وَفْقَ أصوله.. وطموح العقل وكبرياؤه من غير تخصُّص في الحقل الذي هو موضوع النظر هو الادِّعاء على الفكر من غير علم.. 

وأما الرموز الكريهة خارج مملكتنا كأدونيس النُّصيري وأصحاب حوار وشعر، وأركون وأصحاب مدرسة التثقيف الجنوني فيقتحمون أصول معارف أمَّتنا بتسطيحٍ على عجل لا من أجل فهمه على وجهه، بل من أجل تذليله لما بُيِّتَ له من التأويل والسخرية والازدراء والافتراء والتشكيك في الثبوت وإساءة الظن بالعلماء فيما استعصى على تأويلهم الذي ابتدعوه.. والتأويل عندهم على المصطلح الكلامي لا على المعنى اللغوي.. 

وبالمقابل كان معظم التراثيين وبعض حملة العلم الشرعي ينظرون إلى المثقفين نظرةَ ازدراءٍ، وأنهم راتعون في الفضول، وأنهم عاطلون من تزكية النفس من لذائذ العبادة وهذا الأمرُ الأخير ظاهرةُ تكاسلٍ عند بعضهم .. وردَّد أولئك قولاً صحيحاً في نفسه، ولكنهم حملوه على غير معناه؛ فقالوا: (العلم قال الله وقال رسوله).. 

أي ما سوى ذلك عبث لا قيمة له، والصوابُ أن فيما ( قال الله وقال رسوله ) شَرَفُ العلم الشرعي والتفقُّه فيه، وفيه ضررةُ عمارةِ الأرض بالعلوم الدنيوية النافعة، وفيه ضرورة العلم بما يخدم الشريعة من اللغة والتاريخ والآداب، وفيه سَعَةٌ للعباد بما يُؤْنسهم من المباح، وفيه ما هو مُحرَّم الاشتغالُ به، وفيه ما يدور بين الحرمة والكراهية، وفيه ما لا يُسْتَحْمد التفرُّغُ له، وفيه ثلاثة أمور هي جِمَاعُ الأمر الذي أعنيه، وهي أن على المنصرف للشؤون الدنيوية حقَّاً لربه يُزَكِّي نفسه به في أوقات محدودة لا تُعطِّله.. 

وذلك الحقُّ واجب عيني يجب أن يتعلَّمه، وأن يسأل أهل الذكر عما خَفِي عليه مِنه.. وأن المُنْصَرف للعلم الشرعي عليه حق التوعية لإخوانه بشروط الدعوة بالتي هي أحسن انطلاقاً من قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (122) سورة التوبة.. 

ثم على الجميع التضامُن على توظيف المعارف الدنيوية، والإنتاج البشري فيما يرضاه الله ويُحِبُّه لعباده.. وبعد ذلك يزع الله بالسلطان ما عطَّلَه أهل الأهواء من الوازع بالقرآن. 

قال أبو عبدالرحمن: بعد هذه الظاهرة فعقيدتي وهي عقيدة كل مسلم أَسْلَمَ وجهه لربه، مُؤْمناً بدينه : أنه لا قوام للأمة إلا بجماعة عاملةٍ، وحكومةٍ راعيةٍ مصلحة رادعة.. ولا تكون الجماعةُ إلا بمفومها اللغوي وهو الاجتماعُ على كلمةِ حَقٍّ سواء؛ فالأمةُ التي يُغَيَّب فيها حضور المثقَّفين ليست جماعة مكتملة الأداة.. 

والأمة التي يُغيَّب فيها العلماءُ الربانيون، وتُنتزع هيبتُهم ومحبَّتُهم من القلوب، وتُزدرى هدايتُهم بما تخصَّصوا فيه: أمة تسعى إلى الإنسلاخ من هُوِيَّتها، ولا تُراعي حرمة التخصُّص، وتَسْقُطُ في حضانة مَن لا يريد بهم خيراً؛ لهذا كان ( التضامنُ العلميُّ الفكريُّ التَّقيُّ ) بين كل فئات الأمة ضرورةً من ضرورات العقيدة السَّلفِيَّة؛ فسوادُ الأمَّة يَعْلَمُ بالمشاهدة والسماع مَن هم ( العلماء الربانيُّون ) الذين تمكنوا في علوم الشريعة التي هي دين الأمة على السواء، ويعلمون من واقعهم بالمشاهَدة والسماع أيضاً صدقهم ونزاهتهم وخلوصَ نِيَّاتِهم؛ فيكونون مرجعَهم في تدارس ما أشكل عليهم من أمور دينهم، ويعمرون قلوبهم بمحبَّتهم وموالاتهم وحفظِ غيبتهم.. 

وليس من الشرط أن يشغل هؤلاء العلماء تخصُّصَهم بثقافات العصر إلا ما تمسُّ الحاجة إلى العلم به من المتغيِّرات، ومن كان في جهده بعد السعةِ في التخصُّص الشرعي سعةٌ للإلمام بأمشاج من الثقافات فذلك مُسْتَحْمَد.. 

إلا أن أولئك المُثقون علماءُ وقائع هي محل للتوظيف الشرعي، والحكم الشرعي؛ فاندماج العلماء معهم واجب تضامني؛ ليفقهوا منهم تصوراً لما استنكره المستنكرون من ثقافاتهم بعلمٍ وبغير علم؛ فإذا فَقِهوا ذلك وسَّعوا عليهم بالمباح، وشجَّعوهم على الواجب، وبسطوا لهم هدايةَ الشرع إلى الأحبِّ والأولى؛ فلغة الشرع المطهَّر هي لغة العقل العلمي الإنساني المشترك.. 

وأولئك المثقَّفون لا سعةَ لهم في التخصُّص الشرعي، ولا قصورَ في عقولهم عن استيعاب الثوابت والمُسلَّمات، ومن أَهَمِّها إزالةُ القلق والتوتُّر، وجلب سعةِ الصدر والطمأنينة، ولا يتم ذلك إلا بالله ثم بعزيمة وشجاعة في أويقاتٍ لا تُعَطِّل نشاط شغَفِهم الثقافي، بل تُقَوِّيه وتُزكِّيه؛ وذلك بتنظيم أوقات النوم، والتخفيف من الأكل الذي يجلب الكسل؛ فيحضرون الصلوات الخمس مُبكِّرين جماعةً في وقتها، وكل ذلك لا يتجاوز ساعتين ونصف فيهما شرط الصلاة من الاشتغال بالطهارة إن كانوا من المقتصدين؛ فإن أرادوا الإحسان أافوا ساعة لما قبل أذان المغرب نصف ساعة، ونصف ساعة بعد صلاة الفجر للتسبيح والتحميد والتهليل والورد؛

فإن أرادوا مزيد ثقافة جعلوا من كل يومٍ نصف ساعة لحفظ آيتين أو ثلاث، ثم مراجعة أيسر تفسير لفهمها كتفسير ابن كثير والشوكاني، ويستذكرونها على فراش النوم، ووسط الأسبوع وآخره بدل نصف الساعة المخصَّص للحفظ، ويستعدُّون لصلاة الجمعة بساعتين قبل دخول الإمام يجعلونها للتلاوة والتدبُّر، ولا يهمهم تحديد وقتٍ لختم القرآن؛ فإن هذا والله يمنحهم من الطمأنينة ونور الوجه ثقافةً قد لا يحلمون بها تُغذِّي عقولهم، وتنوِّر بصائرهم، وتقوِّي قلوبهم..

وما بعد ذلك، وما بعد ساعات النوم، وما بعد أوقات العمل سعةٌ ما بعدها سعة يردحون كما شاؤوا في أعماق الثقافة بلا كدرٍ بقراءة تصفُّح تُصاحبه كُنَّاشة؛ وبإنتاج يضيق نطاقه وَيَتَّسع الوقت لإعداده بستويد وتبييض ومراجعة التجارب مراراً، فخير العلم والثقافة ما حَكَّته العقول حَكَّاً.. 

وإنني أرى والناس تختلف مشاربهم أن من الإجازة الأسبوعية الضرورية الاسترواح برقائق الشريعة الصحيحة، وسير العظماء ابتداء بأبي بكر وعمر.. إلخ، والشافعي وابن جرير.. إلخ رضي الله عنهم؛ لأن ذلك إضافة إلى ثقافتهم؛ فهذا علم سهل مُمْتع لا يحتاج إلى تعبٍ عقلي.. وليكن من ساعات النوم نصف ساعة بدل التقلُّب على الفراش يعمرها بالورد الموظَّف والاجتهادِ في الدعاء؛ فيأخذه النومُ على غِرَّة وهو في حُصْنٍ حصين من رَبِّه.. 

والساعة المنبِّهة المُزعجة عند رأسه تُذكِّر بالصاخَّة ويوم النشور؛ فينهض نشيطاً ولا يبارِح فراشه حتى يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له اللهم اغفر لي.. الحمد لله الذي ردَّ روحي إلى جسدي وأذن لي بذكره )، وسيعود بعد صلاته إلى فراشه إلى نوم مباشر لا قلق فيه يرتاح به وإن قلَّ.. 

وهذه الصفوة المختارة سيكون أثرها الفعَّال أعظم من أثر العلماء الربَّانيِّين على إخوانهم الكسلاء الغافلين من شركاء المهنة الثقافية يُخاتلونهم بشَعْرة معاوية رضي الله عنه؛ فلا تمضي سنوات حتى يكون ( الزِّكِرْتيُّ ) الطريُّ الثقافة (حَبْراً)، ولله في خلقه شؤون، وفي التجارب عبرة !. 

قال أبو عبدالرحمن: جَرَّبتُ في عقودٍ من عمري أن الانهماكَ في عملٍ علمي أو ثقافي ساعات طويلة، وتحديدَ انتهائه في وقتٍ تريده أنت: إنهاكٌ للجسد، وإتعابٌ للعقل، ومَجْلَبة للملل والسأم، ومسامحةٌ مُخِلَّةٌ في الأداء فكراً وعلماً، وتضييعٌ للواجب، وتفريطٌ في حقِّ النفس راحةً ومُتْعة.. 

والمنهجُ أن تقضي الواجبات أوَّلاً، وتأخذ كفايتك من النوم، وتُثري كُنَّاشتك من التصفُّح السريع بذكر عنوان الموضوع والإحالة إلى مصدره، وتختار لبحثك مسألة مُفْردة، وجزئية منها إن كانت طويلة الذيول، وتعمل فيها على مهل بتسويد وتبييض، أو زيادة مراجعة وتصحيح إن كان عملك إملاءً، ولا تُحدِّد لها وقتاً، بل وقتها حيث تنتهي هي في سويعات نشاطك.. 

وعوداً على بدء حول التضامن الذي ذكرته فإن جيل المثقفين الذي أسلفته سيجتذب تلقائياً كل مثقَّف أخلَّ بمطالب الفكري العلمي إذا كان ذلك عن جهالة.. 

وأمَّا إذا بان لذوي التضامن الكريم أن من المنتسبين لعلوم الشريعة مَن باع دينه بدنياه، وجارى كل منحرف كالفكر الحركي الطائش، والتضامن مع الفرق المارقة من الباطنية وغيرهم مراوغة: فليأخذوهم على ظاهرهم، وليتلقوا خطبهم وكتاباتهم وفتاواهم بمحاكمة وموعظة، ومرجعهم العلماء الربانيون.. 

وهكذا الحال مع المثقفين الذين أخلُّوا برسالة القلم علماً وفكراً؛ لأن الذي يجمع هذين الطرفين هو أهواء النفس من المال والشهرة وأحلام الغُرور بالزعامة وحب المنصب.. وأما مَنْ أبدى صفحته، وجاهر بالتحريض على الفتنة، وتفريق الأمة شيعاً، وتلَوَّن مع الأحداث المتسارِعة – وما أكثرهم من ذُبَّان الإنترنت والفضائيات -: فهؤلاء هم الأغيار، وهم ممثلو (الآخَر)؛ فطلائع الخير من علماء الشريعة والمثقفين تصمد أمامهم، وتحفظ كيان وحدة الأمة، وتُخْرسهم فكراً وعلماً، وتُنَبِّش عن أوراقهم وتظهرها للملأ، وتُضَيِّق عليهم الخناق.. 

وفي أوراقي رسالة بتوقيع عدد من الباطنية في المملكة وخارجها إلى صغير متلوِّن في بلادنا ينتمي إلى الحركيين، وكان من خطباء الفتنة.. 

تصفه الرسالة بالزعامة والوعي والغيرة وحرية الفكر، وتُبارك تلوُّنه وإثارته الفتنة، وتحثُّه، وتطرح معونتها وتضامنها بين يديه.. ولم أضرب بعد في الأعماق عما هو عقيدة سلفية قائمة على الفكر العلمي؛ فإلى لقاء عاجل إن شاء الله، والله المستعان، وعليه الاتكال. 

– عفا الله عنه – 

————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*