السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لماذا لن يتكرر النموذج الجـزائـري في مصـر !

لماذا لن يتكرر النموذج الجـزائـري في مصـر !

منذ وقفة 30 يونيو وما تلاها من تطورات متسارعة وخصوصا إعلان القوات المسلحة انحيازها إلى خيار الأغلبية الساحقة من الشعب المصري وتبني مطالبه، بات المشهد المصري العام متغيرا وشديد السيولة والتعقيد في جوانبه السياسية والاجتماعية، وطبيعة أنساق القوة المؤثرة في الدولة والمجتمع، والتي ستحدد إلى درجة كبيرة مستقبل مصر وتطورها للعقود القادمة. 

رسالة الشعب المصري التقطها الجيش المصري بحنكة وذكاء، وعمل بموجبها عبر طرح خارطة طريق لرسم مستقبل مصر بمشاركة الفعاليات السياسية والمدنية والدينية والشبابية، بينما اكتفى الرئيس المخلوع مرسي وجماعته وعشيرته بالتأكيد على الشرعية الدستورية، وشرعية صناديق الانتخاب التي أوصلت مرسي وجماعته إلى الحكم، متناسين عن عمد بأن الشرعية الثوريـة على الأرض تجب كل ماعداها من شرعيات رسمية. 

صحيح أن الإسلام السياسي فاز في الانتخابات الرئاسية والتشريعية وفي التصويت على مشروع الدستور رغم ما اكتنف العملية من ملابسات وظروف غير طبيعية استفاد منها الإخوان والسلفيون بحكم إمكانياتهم التنظيمية والمالية والدعائية وشبكة مصالحهم وصلاتهم الداخلية (بما في ذلك المؤسسة العسكرية آنذاك) والخارجية، غير أن ذلك الفوز الملتبس للإسلام السياسي لا يعني إعطاءهم شيكا على بياض للتحكم بمفاصل الدولة والمجتمع وفقا لإيديولوجيتهم الإقصائية. لنستذكر التاريخ جيدا، فقد وصل أدولف هتلر إلى منصب المستشار في عام 1933 الذي يعد أعلى منصب سياسي في ألمانيا كما فاز حزبه النازي في الانتخابات التشريعية للرايخستاج، والتاريخ يذكر بأن تلك الانتخابات كانت آخر انتخابات حرة شهدتها ألمانيا إلى أن سقطت النازيـة في عام 1945 إثـر انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد أن عانى الشعب الألماني والعالم الأهوال على يد هتلر وحزبه النازي والذي تم حظره إلى الأبد والأمر ذاته شمل الحزب الفاشي الإيطالي الذي تزعمه موسوليني. غير أنه وجدت في العديد من البلدان ومن بينها البلدان العربية تشكيلات سياسية ذات مضمون قومي أو ديني متطرف نصبت من نفسها وصية على الدولة والمجتمع وفقا لتوجهاتها الإيديولوجية القومية أو الدينية الضيقة والإقصائية للآخر المختلف.. 

شعوب بلدان «الربيع العربي» التي ثارت ضد النظم الديكتاتورية والاستبدادية وأسقطتها، ليست مستعدة على الإطلاق للقبول بإعادة تلك النظم أو تدويـرها مجددا تحت واجهات دينية أو مذهبية، على غرار ما تسعى إليه جماعات الإسلام السياسي..

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يتكرر في مصر سيناريو ما شهدته الجزائـر من عنف دموي متبادل إثـر إلغاء الجيش لانتخابات ديسمبر 1991 التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ ؟ صحيح إنه تفجرت بعض أعمال العنف نتيجة التحريض المباشر لقيادات الإخوان المسلمين في ساحة اعتصام مسجد رابعة العدوية والتي أخطرها ما حصل من محاولات أنصار مرسي لاقتحام دار الحرس الجمهوري بالقوة والتي سقط فيها أكثر من 50 قتيلا ومئات الجرحى، إلى جانب ما تعرض له الجيش المصري وقياداته من اعتداءات في سيناء وغيرها، غير أنه لا يمكن القبول بأن السيناريو الجزائـري سيتكرر في مصر لأن العوامل والظروف الموضوعية والذاتية مختلفة في الحالتين.. 

في الحالة الجزائرية ألغى الجيش الجزائري الذي فقد الكثير من سمعته وهيبته شعبيا المسار الانتخابي فيما يشبه سرقة فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كما أصدر قانون الطوارىء وأعلن الأحكام العرفية، وعلى إثر اندلاع واتساع أعمال العنف المتبادل بين الجيش والجبهة تم حظر جبهة الإنقاذ وجرى اعتقال قيادتها والألوف من كوادرها، وهو ما أدى إلى تشكيل الجبهة لذراع عسكري هو الجيش الإسلامي للإنقاذ وصعوده إلى الجبال، ودخل على مدى 10 سنوات في مواجهات دموية ضد الجيش الجزائـري والقوى المدنية، وذهب ضحية تلك المواجهات أكثر من 200 ألف قتيل، وتدمير البنية التحتية وتعطيل الاقتصاد، وقدرت الخسائر بعشرات المليارات من الدولارات، وقد بادر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في مطلع العقد المنصرم إلى تدشين المصالحة الوطنية الشاملة التي وضعت حدا للحرب العبثية التي دمرت البلاد والعباد وأرهقت الأطراف كافة. الحالة المصرية ودور الجيش فيها مختلف تماما، حيث لعب الجيش المصري دورا محوريا في إجبار الرئيس السابق حسني مبارك على التنحي استجابة لمطالب الملايين من الشعب المصري، كما أشرف على العملية الانتقالية بما في ذلك الانتخابات التشريعية التي فاز فيها الإسلام السياسي، وكذلك الانتخابات الرئاسية، التي فاز فيها مرشح الإخوان محمد مرسي الذي تسلم كامل صلاحيات المجلس العسكري الذي تم حله، وقد اتهمت بعض أطراف المعارضة المصرية على إثرها بأن اتفاقا قد تم بين المجلس العسكري، وجماعة الإخوان المسلمين، برعاية الولايات المتحدة التي اعتبرت جماعة الإخوان خير من يحافظ على مصالحها الإستراتيجية، وبما في ذلك معاهدة السلام مع إسرائيل .. 

الجيش المصري لم يسقط حكم الإخوان عبر انقلاب عسكري تقليدي يستولي على السلطة ويعلن الأحكام العرفية، بل أسقطه عشرات الملايين من المصريين على اختلاف مكوناتهم السياسية والاجتماعية في أكبر تظاهرة شهدها العالم، وذلك بعد عام من الفشل الذريع لمرسي وجماعته على جميع الأصعدة والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. تدخل الجيش (وهذا ما نأمله) جاء حماية للسلم الأهلي ولرعاية مرحلة انتقالية نحو دولة مدنية ديمقراطية، وتحت قيادة رئيس المحكمة الدستورية (كرئيس مؤقت) ورئيس حكومة وحدة وطنية، ومدع عام مرشح من مجلس القضاء الأعلى، كما لم ينجم عنه حل حركة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي وحلفائها المتواجدين على مدار الساعة في ساحات الاعتصام، أما الاعتقالات والاستدعاءات المحدودة لبعض القيادات فقد جاءت بناء على بلاغات قضائية مقدمة من الادعاء العام ولم تكن نتيجة قانون طوارئ أو أحكام عرفية.

—————

نقلاً عن عكاظ

-- أ. نجيب الخنيزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*