الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عقلية التنظيم السري.. البيئة والأهداف

عقلية التنظيم السري.. البيئة والأهداف

لم يذكر التاريخ العربي والإسلامي في ذاكرته الممتدة لقرون عدة، سيرةً موثقةً عما يمكن أن نطلق عليه تياراً دينياً بعينه، أخذ على عاتقه نشر فكره الخاص، مصحوباً بتنظيم سياسي سري مُسبق الترتيب والإعداد، بل إن الصفة الأبرز لمعظم الحركات الفكرية الدينية الإسلامية الذائعة الصيت قد اعتمدت في الغالب مبدأ ترغيب الجماهير في دعواتها، لتحقيق أهدافها التي تعلن عنها على الملأ عادة.

وكانت حركات دينية خالصة، لا تنطلق من أرضية الصدام مع الآخر إلا فكرياً، في المحيط الإسلامي نفسه، وتتصادم مع الفكر الديني غير الإسلامي بقوة، بسبب قوة الاندفاع الإسلامي على الأرض، ودفاعات الفكر الديني المضاد للفكر الديني الإسلامي عموماً، لذلك لم يكن هناك ما يدعو لتشكيل أجنحة عسكرية، تحقق من خلالها أهدافاً سياسية محتملة، واقتصرت أغلب المجاميع المتشكلة فكرياً، والتي تحكيها الذكرة الإسلامية على النزعة الدينية والرأي الأحادي لشخص ما، في أمرٍ ما، وافقه عليه جماعة من الناس فيما ذهب إليه.

وأبرز ما تسرده الذاكرة الإسلامية من الفرق والمجاميع على سبيل المثال (المعتزلة، والأشاعرة، والقدرية، والجبرية..)، وهي بعض الحركات الفكرية الأكثر بروزاً على المشهد التاريخي الإسلامي، التي لم تزاوج بين الدعوة الفكرية الدينية، والنوايا والأهداف التوسعية السياسية والعسكرية. لقد ظلت فكرة التنظيم أو الجماعة في العقل العربي مقتصرة على أحادية الهدف، ولم تتنكر لهذا المبدأ، ولم تذهب إلى محاولة دمج وتوحيد الأهداف الفكرية بالأهداف السياسية، لأن ذلك ليس أصيلاً في ثقافتها الدينية.

فالإسلام كدين لم يتخذ صفة السرية في بداية ظهوره تحقيقاً لأهداف سياسية أو عسكرية، إذ لم تكن لديه رؤية وأجندات سرية ذات طابع توسعي سياسي وعسكري، ليكون بعد ذلك إعلاناً عظيماً على رؤوس الأشهاد كدين، ودعوة فكرية دينية تهدف إلى التوسع الفكري بالدرجة الأولى، لذلك فقد تعرض معتنقوه إلى كثير من المضايقات والتنكيل، ثم بعد ذلك بدأ في التفكير بحماية مكتسباته، من خلال تجهيز خطوط دفاعية تكفل له البقاء. ويؤكد التاريخ في كامل طيات سيرته على خلو الفكر الديني الإسلامي من فكر المؤامرة والسرية أو التقية الانتهازية، لذلك حقق الانتشار والقبول على كل المستويات.

وهذا ما أكده فشل كل الحركات الدينية، التي زاوجت ما بين الفكر الديني ومقاصده والهدف السياسي على مر العصور، ولم يُكتب لأي منها النجاح مطلقاً، ومن أمثلة تلك الحركات (الخوارج) قديماً، وتنظيم القاعدة، وجماعة الإخوان المسلمين، وتنظيم الجهاد في العصر الحديث.

وجاء التوسع العربي الإسلامي على الأرض، بعد اشتداد عود الدين الإسلامي وكثرة أتباعه، ليحقق تالياً مكاسبه بالحروب والغزوات المتتالية خارج الجزيرة العربية، وليختلط العقل العربي فجأة – وبأعداد كبيرة – بثقافات الأمم الأخرى، وهو العقل الذي لم يكن باستطاعته تشكيل صورة ما عن الآخر إلا بالتخيل، لمحدودية التواصل المعلوماتي، وبنى أغلب ذاكرته وخلفيته معتمداً على البعد النظري، وفي هذا يمتد الخيال عند العقل العربي لأكثر مما يجب، الأمر الذي ترتب عليه بعد ذلك تكون بنية الأسطورة وأبعادها ودرجة الإيمان بها لديه.

وأفضى اطلاع العقل العربي على الثقافات الأخرى في القرون التالية إلى نشوء بنية آلية تفكير جديدة متصالحة مع الآخر بشكل كبير جداً، تمخض عنها ولادة حضارة إسلامية رسمت معالم تاريخها ونكهتها الخاصة بها، إلا أن ما حدث لاحقاً في القرن العشرين تحديداً، من انهيار الدولة العثمانية (الممثل الكبير لنظام الدولة الإسلامية)، وظروف الاحتلال الذي وقعت فيه مساحات كبيرة من الوطن العربي، أدى من جديد إلى إحياء فكرة الدمج بين الفكر الديني والهدف السياسي، وهو ذات التزاوج الغريب الذي أنتج على الدوام مولوداً مشوهاً، قبل به منتجوه كما أرادوه، ولم يشاهد أنصارهم حقيقته إلا من ثقب إبره!

وأثبت التاريخ عدم قدرة ذلك المولود على الاستمرار في الحياة، ناهيك عن تحقيقه أياً من أهدافه الفكرية أو السياسية. وهنا كأنما يعيد التاريخ نفسه، إذ إن توافر بعض شروط أجواء سياسية معينة ميدانياً، من شأنه تكوين بيئة مناسبة حاضنة، تؤدي إلى ظهور مثل تلك الحركات الدينية ذات العقلية السلبية والنزعة التوسعية العدائية، والتي في الغالب تفقد تعاطف المجتمع معها، نتيجة ممارساتها المجنونة في كثير من الأحيان تجاه المجتمع الحاضن لها نفسه!

ومن المؤكد أيضاً، كما يقول التاريخ، أن كل المحاولات التي ربطت روح الدعوة الدينية كفكر بأهداف سياسية تآمرية، لم تستمر طويلاً في الحياة، لأن الفكرة الأساسية ليست موحدة أو خالصة الهدف، الأمر الذي يوقعها في مأزق ازدواجية الأدوار، ويدخلها مراحل الشك والريبة في الضمير الاجتماعي، لتبدأ بعدها في التزعزع والتلاشي، فالنفس البشرية ذاتها بطبعها وتكوينها ترفض الفكرة التآمرية حالما تكتشفها، مهما كانت مغرية أو مغلفة، لأن البنية الأساسية قد بنيت في ضمير غير متصالح مع الفطرة الإنسانية، وعقلية تخشى العمل في رابعة النهار، تعتمد الدسائس والتشكيك في ضمير الآخر، وتمارس حماقة الوصاية على الآخر بكامل ظروفه وبيئته.

—————–

نقلاً عن الوطن أونلاين 

 

-- صالح الديواني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*