الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإخوان.. وبناء الدولة بطوب الأوهام

الإخوان.. وبناء الدولة بطوب الأوهام

تجربة الإخوان في إدارة السلطة، ذكرتني بمقولة للكاتب الليبي الصادق النيهوم.. يقول: (الشعوب لا يقتلها الاستعمار، ولا تحييها الحرية.. فرص العمل المتاحة هي وحدها من يقرر ذلك!). غير أن هذه التجربة حلقت بأزواج من الأوهام ابتداء من وهم أن القادر على الحشد يبقى دائماً هو الأقدر على الإدارة، ثم وهم أن الخيار الديمقراطي يبدأ وينتهي عند صندوق الاقتراع، وغيرها من الأوهام التي تمحورت حول فكرة أن الوصول إلى سدة السلطة عبر الخيار الديمقراطي يستلزم بالنتيجة تماهي كل الآراء مع رأي الشخص أو الفريق المنتخب، على اعتبار أن من سكت عن الاستبداد لفترات طويلة لا بد في النهاية من أن يسكت عمّن جاءت به أصوات الناخبين. في أسوأ عملية استيعاب لمخرجات الغليان الجماهيري.

والذي يتوقف عند خطاب اثنين من أبرز قادة الجماعة في مصر، وأكثرهم حضوراً في المشهد السياسي إلى الحد الذي يوحي بأنهما حملة الفكر الاستراتيجي للجماعة، أعني محمد البلتاجي وعصام العريان مع حفظ الألقاب، يكتشف بمنتهى السهولة أن سيطرة فكرة القدرة على الحشد قد أرخت بظلالها على رؤية الجماعة على قراءة الأحداث والوقائع بشكل سليم، متجاهلين أن تلك الأصوات التي أجلست الدكتور محمد مرسي على كرسي السلطة إنما جاءت لاعتبارين لا يمت أحدهما للآخر بصلة.. 

فالبعض صوت لمرسي على قاعدة ليس حباً به ولكن كرهاً لخصمه، بعد أن انحصر الخيار بين مرشح يراه البعض من بقايا النظام السابق، وآخر يمكن تصنيفه في إطار عناصر الثورة، والاعتبار الآخر والذي يشكل مبرر الطبقات الكادحة يستند إلى الدور الذي كانت تلعبه جماعة الأخوان قبل الثورة كجمعية خيرية تقدم الكساء والغذاء للمعدمين، مما أحدث خلطاً في أذهان هؤلاء بين مفهوم الدولة ومفهوم الجمعية الخيرية. 

وأسس لسابقة فكرة الحشد التي أفزعت خصوم الجماعة، وجعلتهم يتوهمون بدورهم أن من يستطيع أن يقيم تلك السلاسل البشرية التي غصت بها الميادين أيام الانتخابات لن تعوزه الشرعية مهما كان أسلوب أدائه، وقد انعكس ذلك جلياً على سوء أداء جبهة الإنقاذ، والتي تضم عدداً من الأحزاب العريقة والساسة الكبار، قبل أن يستنبت الشعب ذاته معارضته الحية عبر فكرة “تمرد” التي تقيس الأمور بمعايير فرص العمل، وكيفية إدارة قطاعات الخدمات التي تمس حياة الناس مباشرة. 

لذلك ورغم اتساع مساحة حرية التعبير التي أفرزتها الثورة، فإنها لم تحل دون انتفاضة الشارع مجدداً لتغلق ملف تجربة الأخوان الذين اعتقدوا أن الصوت الذي جاء بهم إلى السلطة مقابل رطل من الزيت أو كيلو جرام من السكر لن يبيعهم مقابل لتر مفقود من البنزين أو الديزل. 

خاصة في ظل تحليق مشروعهم فوق حقول جغرافية أكبر في محاولة لاستدعاء دولة الخلافة، رغم عدم توافر أدواتها التاريخية، بعيداً عن حقل فرص العمل الذي قتله العطش فأذوى، وسرّع بسقوط تجربتهم. لأن طوب الأوهام قد يبني حلماً بحجم الأفق، لكنه أبداً لن يبني دولة.

———————–

نقلاً عن الرياض 

-- فهد السلمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*