السبت , 10 ديسمبر 2016

المجتمعـات لا تفكـر

المجتمعات لا تفكر بل تتشكل «مبرمجة» على مبادئ معينة وتنزع إلى المحافظة عليها سواء أكانت مبادئ ليبرالية ديمقراطية كما هو الحال لدى المجتمعات الأوروبية والأمريكية واليابانية وغيرها، أو مبادئ تقليدية موروثة كما يحصل لدى باقي المجتمعات الأخرى. وكلمة المجتمعات هنا لا تعني الأفراد المستقلين القادرين على التفكير النقدي بل تعني الكتلة البشرية التي تجبر أعضاءها على اعتناق أفكار معينة والقيام بسلوكيات محددة. أو بعبارة أخرى المجتمعات هي من يطبق «العادات والتقاليد المشتركة» بشكل إلزامي. وهي لها سلطة؛ إذ إن بعض الأفراد يكونون رافضين لهذه العادات والتقاليد أو لبعض منها لكنهم يضطرون لتنفيذها والإيمان بها خشية على وجودهم الاجتماعي.

من هنا نفهم ما الذي كان يقصده غوستاف لوبون حينما أشار إلى الجماهير بأنهم متعصبون ولاعقلانيون. وفي الواقع أن في كلامه شيئا من الصحة. فالجماهيـر الاجتماعية شبيهة بالجماهيـر الرياضية؛ فقد يكون بينهم مهندسون وأطباء ومدرسون وعقلاء ولكنهم في غمـرة الجمهور وصخبه يمارسون سلوكيات غريبة على مستواهم التعليمي والفكري. فحينما نقول إن جماهيـر كرة القدم يميلون للتعصب فإننا لا نصف أفرادا بعينهم بل الكتلة البشريـة الهائلة التي يفقد معها الأفراد توازنهم العقلي وقدرتهم النقدية. بعد هذه التقدمة السريعة، أعتقد أنه اتضح الآن المراد بمقولة «إن المجتمعات لا تفكر» بل تحافظ على ما تكتسبه أيا يكون محتوى المبادئ والقيم التي تحركها. ربما يسأل سائل بأن هناك فرقا واضحا بين المجتمعات في الدولة المتأخرة والمجتمعات في الدولة الديمقراطية بحيث نجد أن المجتمعات الديمقراطية أقل تهورا وتعصبا وأنهم ميالون إلى التجديد والابتكار والمغامرة. وهذا التساؤل وجيه. لكنه لا يخرق القاعدة الأساسية بأن المجتمعات لا تفكر. لقد أشرنا في المقطع السابق بأن المجتمعات تحافظ على «ما تكتسبه».. فإنه قد يصدف أحيانا أن تكون هذه «المكتسبات» تعبيرا عن فكر ليبرالي ديمقراطي. هنا تحدث المفارقة: المجتمعات في الدول الديمقراطية تميل إلى «المحافظة» على القيم الليبرالية التي تدعو إلى «التجديد» و «الابتكار» .. المفارقة تكمن في هذه الخلطة الجميلة التي تجمع بين المحافظة والتجديد في الوقت عينه. لكن علينا أن نكون حذرين؛ فالجمع بين المحافظة والتجديد ليس بالطريقة العربية التي تهدف إلى استبقاء شيء من الماضي والأخذ بشيء من الحاضر .. بل هو جمع مغايـر: المحافظة على روح التجديد.

ورغم كل ذلك، فإن المجتمعات «الديمقراطية» لا ينبغي أن تكون بلا قيد أو شرط هي المراد من قولنا : «إن الديمقراطية هي حكم الشعب» . صحيح أن الكتلة البشرية هي فقط المخولة لانتخاب ممثليها لإدارة شؤون البلد، وأنها هي مصدر التشريع. لكن ما معنى مصدر التشريع هنا ؟؟، إنه لا يعني أن «الكتلة البشرية» هي التي تسن القوانين، إنما إنها فقط هي الغاية التي يجب على القوانين أن تسعى إلى إرضائها وإطفاء سخطها من خلال تطويـر حياتها وتوفيـر رغد العيش لها. وإلا فإن سن القوانين ليس مناطا بهذه الكتلة التي «لا تفكر» بل بالأفـراد المؤهلين لذلك من علماء وحكماء ومتخصصين وغيرهم..

المجتمعات بوصفها تلك الكتلة غائمة الملامح ليست كل شيء في العملية الديمقراطية كما قد يبدو للوهلة الأولى.. أو كما يفهمها بعض الكتاب والمثقفين في عالمنا العربي، وخصوصا أولئك المثقفين المتعاطفين مع بعض التيارات الايديولوجية التي ترهن معنى الديمقراطية برأي «الشعب» الذي لا يبعد أن يكونوا هم من صاغ مبادئه وسيطر على إرادته.

————-

نقلاً عن عكاظ 

-- شايع بن هذال الوقيان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*