الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » سُبوا الوطنَ من أجلِ المُرشدِ!

سُبوا الوطنَ من أجلِ المُرشدِ!

عندما أتحدثُ عن الشأنِ المحلي فإني على استعدادٍ لأنْ أنتقدَ الحكومةَ إلى الحدِ الذي ألامسُ فيه سقفَ المسموحِ به، بل قد أخرقه في محاولةٍ لرفعه حتى لو فشلت في بعضِ الأحيان! وقد أميلُ إلى استخدامِ الكلماتِ الحادةِ والعباراتِ القاسيةِ في نظرِ البعضِ، لا من بابِ (شوفوني)، لكن لأن قوةَ المعنى تعتمدُ على الوعاءِ الذي توضَعُ فيه الكلمات، ولا أنتقدُ من أجلِ الإساءةِ لأحدٍ أو التأليبِ على أحد، خصوصاً حين يتعلقُ الأمرُ بالمسؤولين الكبار، بقدر ما أني أُريدُ الإصلاحَ ما استطعت.

كما أني من الذين يؤمنون بأن الأصلَ في الإعلامِ النقدُ لا الثناء، غير أن البعضَ على ما يبدو لا يميزُ بين النقدِ والعداوة، ويعتقدُ أن القسوةَ في النقدِ غايةٌ في حد ذاتها، وبهدفِ تبيانِ مثالبِ الحكومةِ والناسِ، فيطلب منك أن تكونَ ثائراً على الدوام، ويودُ أن تشوه كلَّ ما هو جميلٌ في هذا الوطن، معتقداً أن من مستلزماتِ النجاحِ في الكتابةِ إرضاءَ الجماهيرِ ومهاجمةَ الحكومة.

 فإن كتبتَ مرةً لتقولَ إن الحكومةَ قد أفلحت حين فعلت كذا وكذا، قال لك: إنكم جميعاً مستأجرون، وما من جهةٍ لا ترضى عنها الحكومةُ إلا استللتم أقلامَكم لتكتبوا بمدادِها ما يُملَى عليكم! المشكلةُ حين يصدرُ هذا القولُ من مُستعبَدٍ حزبي، قد أَلِفَ التبعيةَ والانقيادَ، إلى درجةِ أنه لو صار حراً لأحسَّ بالغربةِ! 

ومع ذلك يُريدُ منك الارتماءَ في حضنِ سيده المرشد، وأن تفعلَ كما يفعل، وهو بالقدرِ الذي يبحثُ فيه عن أخطاء حكوماتِ الخليج (بالمنقاش)، فإنه لا يقولُ شيئاً عن خطبِ التخوينِ والتحريضِ على الخليجِ التي يطلقُها أسياده في الخارجِ! بل يحوِّلُها إلى شتمٍ وتكفيرٍ في مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، إنه لا يدري أننا نختلفُ من أجلِ الوطنِ لا عليه، وأن أبناءَ البيتِ الواحدِ مهما اختلفوا فإنهم لا يرضون بأن يتدخلَ الغرباءُ بينهم، لكن مشكلةَ الحزبيين أنَّ ولاءَهم للحزبِ أكبرُ من أيِّ ولاءٍ آخر حتى للوطن! ولذلك فإنهم يرون في كلِّ ما تأتي به قنواتٌ محسوبةٌ على السعوديةِ الكذبَ المحضَ والحقيقةَ المزيفةَ، وفي كلِ ما تأتي به قنواتٌ محسوبةٌ على غيرِ السعوديةِ الحقَ الخالصَ والحقيقةَ المطلقة، كما أنَّ الخيرَ الذي تفعله السعوديةُ في نظرِهم دينٌ مستحقٌ، وما يُنسَبُ إليها من شرٍ فهو الخيانةُ والتآمر! طبعاً تحت مبرراتِ الغيرةِ على الدينِ ونصرةِ الإسلامِ والمسلمين!

لو أتيتَ بمنخلٍ ووضعتَ فيه جماعةَ الإخوان المسلمين بكلِ أفرعِها وتفريعاتِها بما فيها الجماعةُ الأم في مصر، ثم أجريتَ عمليةَ غربلةٍ لانتقاءِ الأنموذجِ الأفضلِ في إمكانيةِ الحكم، وما يحتاجُ إليه من المرونةِ والتعايشِ والإيمانِ بالتنوعِ والتعددِ والاختلافِ، لَمَا خرجتَ بأفضل من جماعةِ الإخوانِ المسلمين في مصر.

فهذه الجماعة ُعلى أخطائها إلا أنها أهونُ ألف مرة من بقيةِ أفرعِها وتحديداً في الخليج، تلك التي لا تؤمنُ بالوطنِ ولا بالحريةِ ولا بالتنوعِ ولا بالتعايشِ ولا بالاختلافِ ولا بالشراكةِ! وتُريدُ أن تفرضَ على المجتمعِ طيفاً واحداً هو نسخةٌ عنها، وما عداه ليس إلا ضلالاً وكفراً وخروجاً عن الدين! 

فلو قدَّرَ اللهُ للجماعةِ المصريةِ أن تعيشَ في ذاتِ المجتمعِ الذي يعيشُ فيه إخوانُ السعوديةِ، لانقسمَ أعضاؤها في نظرِ إخوانِنا بين ملتحٍ يُقالُ عنه جاميٌّ، وغيرِ ملتحٍ يُقالُ عنه ليبرالي، وثالثٍ بين هذا وذاك يُقالُ عنه (ليبروجامي).

الأكيد أنَّ مسألة الانقسامِ ستكون حتميةً، فشتان بين من يتحدثُ عن قضايا تافهةٍ كتأنيثِ المحلاتِ، وتوظيفِ الكاشيرات، وقيادةِ المرأةِ للسيارة، وبين من يتحدثُ عن قضايا كبرى كالقانونِ والحريةِ والشراكةِ والدستور.

فلا ريب أن الجماعةَ المصريةَ لو تعاملت مع إزاحةِ الرئيسِ على أنها خطوةٌ مهمةٌ إلى الخلفِ في سبيلِ أن تخطو بسرعةٍ إلى الأمام، وأعادت تقييمَ تجربتِها فستصلُ إلى السلطةِ عاجلاً أم آجلاً، المهم ألا تستمعَ إلى الأصواتٍ الحمقاءِ التي تأتيها من بقيةِ أفرعِها، وتُثير حماسَها إلى أن تغرقَها في النهايةِ، فهي إذا استمرت في مواجهتِها وتصعيدِها فستقضي على نفسِها للأبد، لأنها قد تصلُ إلى درجةٍ من العنفِ تُعيدُها إلى دائرةِ الحظرِ من جديد، فأكبر أخطاءِ الجماعةِ أنها لم تدرك الفرقَ بين فكرِ الجماعةِ وفكرِ الدولة، وأن شعاراتِ الجماعةِ تساعدُ في الوصولِ إلى الحكم، لكنها لا تصلحُ برنامجاً للحكم.ِ

———————-

نقلاً عن الشرق 

-- شافي الوسعان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*