السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تأرجح إيران في هويتها

تأرجح إيران في هويتها

تعتبر تركيبة المجتمع الإيراني تركيبة فسيفسائية معقدة تتكون من أقليات عرقية، ودينية ومذهبية كثيرة. ويلعب عنصر الإثنية دورا فعّالا ليس فقط في سياسة إيران مع دول الجوار فحسب، بل والأهم من ذلك في سياستها الداخلية وهيكلة النظام وعلاقة الحكومة المركزية في طهران بالأقليات العرقية في البلاد بغض النظر عن انتماءاتها المذهبية. 

إن التطرق لهذا العنصر ووضعه تحت المجهر يظهر إلى السطح المساحة الضيقة التي تتحرك فيها الأقليات العرقية في النظام السياسي والثقافي وكذلك على المستوى الوظيفي والتمثيلي في الدولة، ناهيك عن موضوع توزيع ثروات البلاد بين الأقاليم ومدى وحصول كل إقليم على حقه في التنمية والبنية التحتية دون النظر للخلفية العرقية لأهالي تلك الأقاليم. في المقابل نجد السيطرة الكاملة للسكان الأصليين على معظم مفاصل الدولة في إيران.

من أجل معرفة كيفية تكون الدولة الإيرانية الحديثة وطبيعة تعاملها مع مواطنيها من الأقليات الأخرى يجب أن نركز على أولويات النظام الحاكم خاصة عندما يكون هناك تعارض بين العنصرين العرقي والمذهبي. 

التساؤل هنا هو: ما موقف النظام الحاكم في إيران لو حدث تعارض بين العنصرين العرقي والمذهبي، ولأيهما الأولوية في الفكر السياسي الإيراني؟ شخصيا أرى أن الأولوية ستكون للعنصر الأول، أي إن عنصر العرق سيجري تفضيله على عنصر المذهب. 

نعلم ان هناك أغلبية شيعية بين العرب في إيران، لكن اتباعهم للمذهب الرسمي في إيران لا يعني الشيء الكثير لدى الدولة ولم يشفع لهؤلاء العرب مطلقا، بل إن النظرة لهم كعرب جعلت معاملة النظام لهؤلاء المواطنين معاملة مختلفة وعلى كافة الأصعدة، إذ يتعرض عرب الأحواز لمعاناة كبيرة حيث التهميش الذي يعيشونه رغم أن منطقتهم تنعم بثروة نفطية ومائية كبيرة. 

إضافة إلى ذلك فقد عانى عرب إيران من سياسة التهجير من مناطقهم إلى مدن أخرى هذا من جانب، وتشجيع الدولة لبعض الأسر الإيرانية بالانتقال إلى هذه المنطقة، من جانب آخر، في محاولة لتغيير التركيبة السكانية هناك (ثمة دراسات تتحدث عن ذلك وبالأرقام). 

الأمر ذاته ينطبق على معظم الأقليات العرقية في إيران وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة.

عليه فإن هوية الدولة الإيرانية قائمة على عنصر واحد وحتى لو جرت إضافة العنصر الإسلامي إبان ثورة عام 1979، من أجل التمدد الإقليمي في المناطق المجاورة التي لا يتحقق فيها الصدام بين العرق والمذهب، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن العنصر العرقي قد تراجع أو أن «أسلمة الدولة» جعلتها تتخلى عما عرف به النظام البهلوي الشاهنشاهي خاصة خلال فترة حكم رضا شاه بهلوي (1925 – 1941)، بل إنها ارتكزت على أفضلية عرق على كافة الأعراق الأخرى حتى وإن كانت تتبع المذهب الشيعي.

قد يقول قائل إنه ليس هناك أي أفضلية عرقية خاصة فيما يتعلق بوظائف الدولة من دون أي استثناء حتى العليا منها، وقد يستدل بقوله بأن وظيفة المرشد الأعلى وهي أكبر سلطة في البلاد، بيد آية الله علي خامنئي الذي يتحدر من أصول عرقية آذرية، وكذلك الأمر بالنسبة لمير حسين موسوي، رئيس الوزراء السابق وزعيم الموجة الخضراء أيضا. يجيب الكاتب والباحث الإيراني المقيم في كندا عليرضا أصغرزاده عن هذا التساؤل في كتابه المعروف «إيران وتحدي التعددية: الأصولية الإسلامية، العنصرية، الآرية، والنضالات الديمقراطية» بالقول إن كل هذه مجرد لعبة سياسية من النظام الحاكم والنظر إليها بهذه السطحية قد يثبت تلك الادعاءات ولكن حقيقة الأمر مختلفة تماما. ويضيف أصغرزاده «صحيح أن والد المرشد خامنئي من أصل آذري، وهذا لا يمكن إنكاره أو التشكيك فيه ولكن والدته، وكما ذكر هو بنفسه في أحد خطاباته بمناسبة عيد الأم، من إقليم فارس وهو من مواليد ذلك الإقليم وقد قضى طفولته وشبابه في أحضان الثقافة الإيرانية، بعيدا كل البعد عن ثقافة العرق الذي يتنسب إليه. 

ومن هذا المنطلق فلغته الأم هي الفارسية ولا يجيد من اللغة الآذرية التركية إلا الشيء القليل مما يتذكره من والده، ويستخدم تلك الكلمات التركية القليلة التي يعرفها.. عند زياراته لمدن أذربيجان ولقائه بالآذريين في بعض المناسبات الوطنية». 

ويؤكد أصغرزاده أن ذلك ينطبق تماما على موسوي فهو تركي الأصل من مدينة «خامنه» موضحا أن موسوي قد هاجر إلى طهران وهو ابن اثني عشر ربيعا ودرس في مدارسها والتحق بجامعاتها وتربى في بيئة فارسية بحتة، وعليه، والحديث لا يزال للباحث الإيراني، «فإنه من الخطأ البالغ أن نعتقد أن الانتماء العرقي لأشخاص كهؤلاء ممن تشرب ثقافة غير ثقافته الأصلية قد يلعب دورا في الإخلال بالهوية الإيرانية الرسمية المبنية وبشكل كامل على قومية عرقية واحدة وهي الفارسية المحضة».

ويلعب العنصر المذهبي في سياسة إيران الداخلية والخارجية دورا مهما وبارزا إلا أن ذلك يكون أكثر تجليا خارج حدود إيران، وعلى الجانب الآخر، قد لا يظهر دور العنصر العرقي كثيرا على السطح في غالب الأحيان ولكن مسألة حتمية المفاضلة بين العنصرين تبرز في كامل صورتها عندما يحتاج الأمر إلى ذلك ويعد هذا العنصر من الركائز التي كونت الشخصية الحاكمة في إيران ونظرتها إلى الأقليات العرقية داخل حدود الدولة الإيرانية المعاصرة، وهو أمر يشعر به المواطن الإيراني في الداخل ويعترف به عدد من الإيرانيين. 

هذه الأفضلية الكبيرة لعرق لا تشكل نسبته ما يتجاوز نصف عدد سكان البلاد تجعل مسألة العدالة الاجتماعية وحق المواطنة بعيدا عن المذهب أو العرق على المحك، وتثير التساؤل حول دور الأعراق، التي تشكل أكثر من نصف عدد سكان إيران، في الحياة السياسية والثقافية والمشاركة في إدارة البلاد التي تستعد حاليا لانتخاب رئيس جديد يكون، في الغالب، متحدرا من العرق المهيمن على الدولة.

———————–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- محمد بن صقر السلمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*