السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » اتّباع الدليل طاعةٌ لله وابتداع البديل تأليهٌ للهوى (1-2)

اتّباع الدليل طاعةٌ لله وابتداع البديل تأليهٌ للهوى (1-2)

أ) دين الإسلام قائم – بالإجماع – على الدليل من كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم بفهم فقهاء سلف الأمة في القرون المفضلة (الخلفاء الأربعة خاصة وبقية الصحابة والمعتدّ به من التابعين وتابعيهم عامة). قال الله تعالى: وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: 155]، 

وقال الله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: 31]، 

وقال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21]، 

وقال الله تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما: كتاب الله وسنّتي، ولن يتفرّقا حتى يردا عليَّ الحوض». الصحيحة حديث (1761). 

ب) ودين الضّلال قائم – بالإجماع – على البديل من فكر البشر. قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ، وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم: 28 – 30]، وقال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، وقال الله تعالى: فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَه [البقرة: 181]. 

ج) وأوَّل وأشنعُ تبديلٍ نعلمهُ لنعمة الله بالإيمان كفرًا: اتخاذ قوم نوح لمن مات من صالحيهم مقامات ومزارات ومشاهد كما وَرَدَ في صحيح البخاري وفي تفسير ابن جرير عن قول الله تعالى: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح: 23]، واقتدت بهم الأمم بعدهم فكانت رسالة الله إلى كلّ الأمم: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ [المؤمنون: 23]، بلفظها أو معناها: {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [الصافات: 35]، اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: 36]. 

د) وبدَّل اليهود كلمةً فأنزل الله عليهم رجزاً من السّماء كما ورد في صحيح البخاري عن تفسير قول الله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة: 59]. 

هـ) وكما بدّل اليهود شرع الله فقالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ [التوبة: 30]، بدّل النّصارى شرع الله فقالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ [التوبة: 30]، قال الله تعالى: ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ [التوبة:30]، وبدّل اليهود والنّصارى شرع الله – كما بدّل مَنْ قبلهم – فاتخذوا قبور أنبيائهم مساجد كما ورد في الصّحيحين من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته الاقتداء بهم: «لعنة الله على اليهود والنّصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (يُحذِّر مثل الذي صنعوا). 

و) ولكن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء أنْسَيَا كثيرًا من هذه الأمة تحذير نبيها فاتبعوا سنن من كان قبلهم من المبدِّلين الضالين منذ قوم نوح، فحقّ عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: «لتتّبعن سَنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع» [متفق عليه]. 

وكان من أشنع تبديل بعض هذه الأمة شرع الله: اتّخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد تُدعى وتُرجى مع الله تعالى تَقرُّبًا واستشفاعًا بهم إليه. 

ولعلّ أوّل من فتح بذلك باب الشرك الأكبر من هذه الأمة: بعض ولاة الفاطميِّين العبيديِّين بين القرن الرابع والسّادس، واقتدى بهم أكثر المنتمين إلى الإسلام والسنّة – فضلاً عن غيرهم من الفرق والطوائف – في كلّ بلاد المسلمين، ولم تُؤسَّس دولةٌ واحدةٌ منذ الفاطميِّين على تغيير هذا المنكر الأكبر حتى منتصف القرن الثاني عشر الهجري عندما وفّق الله الإمامين: محمد بن عبد الوهاب ومحمد ابن سعود – رحمهما الله – للتعاقد على ذلك، وإن ظهر بين وقت وآخر قليل من العلماء والأمراء المصلحين الذين غيّروا شيئًا من الشرك والبدع في بلاد الشام والهند ومكة واليمن وغيرها جزاهم الله خير ما يجزي به الدعاة إليه. 

ولا تزال دولة آل سعود هي دولة الإسلام الوحيدة في القرون العشرة الأخيرة التي تمنع بناء المساجد على القبور، ومعابد الضلال المنتمية للإسلام وغيره، وتمنع ظهور بدع التّصوف والموالد وسائر البدع في الاعتقاد والعبادة التي وسوس بها الشيطان والنّفس بديلاً عن شرع الله، ثبتها الله على ذلك. 

ز) ومما تَقدَّم يتبيَّن أنه لا مكان للبديل في دين الإسلام، وأن الشيطان أوحى به للخلف من قوم نوح ليُرْديهم ولِيَلْبس عليهم دينهم كما فعل بمن بعدهم، وأنه لا يُصلِح فسادَ البديل: صلاحُ النيّة وابتغاء الخير، فقد شهد الله لشرّ خلقه بأنهم: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ [الأعراف:30]، وأنهم: يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 104]، والبديل وسائر البدع ناشئ – غالبًا – من الاستحسان؛ فقوم نوح بَنَوا في مجالس صالحيهم بعد موتهم أنصابًا أو مقامات أو مشاهد ليتذكروا أعمالهم الصّالحة ويقتدوا بهم تقرّبًا إلى الله، وجرّ غلوّ اليهود في محبة العُزير وغلوّ النّصارى في محبة المسيح إلى دعوى أنهما ابنا الله تقربًا إلى الله، وقال المشركون عامّة عن عبادتهم أولياءهم بدعائهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وقالوا تسويغاً لذلك: هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18]؛ وهذا ما يُسَوِّغ به كل مُبَدِّلٍ ومُبتدع بَديله وبدعَته. 

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (من استحسن فقد شرّع) وألّف رسالة (ملحقةً بالأُمِّ) في (إبطال الاستحسان)، بل قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23]. وحذّر الله عباده من تلبيس الشيطان (بالفكر والبديل والاستحسان): 

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: 169]، وقرنَ الله الشركَ والفواحشَ والإثمَ والبغي بغير الحق بالقول على اللهِ بغير علم ولا سلطان من دليل وَحْيهِ في الكتاب والسنّة بفهم السّابقين من الفقهاءِ في الدّين: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: 33]، ولا شك أنَّ البديلَ السابقَ واللاحق – الشرك فما دونه من المحدثاتِ في الدّين – قول على الله بغير علم واستدراك على الإسلام، وقد قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3]، وقال تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85]؛ (والبديل غير المبْدَل منه)، وأنَّ المبدِّل في الدّين مُبْتَدِعٌ فيه ما لم ينزِّل به الله سلطانًا من آيةٍ محكمةٍ أو حديثٍ صحيحٍ صريحٍ، وأنه ممن يُذاذ عن الحوض بما أحدث كما في الصحيحين. 

ح) وقد بدأ التبديل في هذه الأمة بما انتهى به اليوم: الفكر بدلاً من الوحي، والظن بدلاً من اليقين، والمنهج المُحْدَث بدلاً من منهاج النبوة، والخروجُ عن جماعة المسلمين وإمامهم بدلاً من لزومهما، وتعدُّد الفرق بدلاً من لزوم الفِرْقة الناجية: من كان على مثل ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فظهرت القدرية والمعتزلة والأشاعرة والمرجئة والخوارج، وانفصل المنتمون إلى الشيعة عن المنتمين إلى السنّة اسمًا واعتقادًا وفقهًا ومنهاجًا، وإنْ جَمَعَهم الشيطان على ضلال العمل (كثيرًا منهم) شيئًا فشيئًا، وظهرت القرامطة وعصابة حسن الصبَّاح والفلاسفة والمتصوّفة والمبتدعة عامّة، وليس لهم مرجع إلاّ فكر الهندوس واليونانييّن أو الفرس أو اليهود والنّصارى أو الفكر المؤلّه أو التّعصّب لبشر غير معصوم، وإن ظنَّ أكثرهم أنهم يخدمون الإسلام ويبلِّغونه بفهم جديد (يناسب العصر). 

ط) وعلى هذا النّهج التبديلي سار المبتدعة في هذا العصر في محاولتهم الدّعوة إلى الله (أو إلى أنفسهم أو أحزابهم أو مشايخهم) وراجَتْ سلعةُ البديل، ودُعِيَ إليها، وَوُضِعَت لها مناهج محدثة زادت فِرَق الأمة، وحقّ عليها وما سبقها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة: [من كان على مثل] ما أنا عليه وأصحابي». رواه الترمذي في سننه والحاكم في مستدركه وغيرهما. 

وسُئل الشيخ ابن باز – رحمه الله – قبل موته بعامين أثناء شرحه المنتقى في الطائف عن دخول جماعة التبليغ وجماعة الإخوان المسلمين في الإثنتين وسبعين فرقة فأجاب – رحمه الله – بأنهما (داخلتان كالمرجئة والخوارج) انظر: كتاب النّصيحة لسعيد ابن هليل العمر، (ص:10 – 11) والجامع بينهم أن مناهجهم مُحدَثة، مخالِفَة لمنهاج النبوة، لم تكن على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا كانت سبيلاً للمؤمنين الذين حذّرنا الله من مخالفتهم في قوله تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115]. 

ي) وإلى القارئ الكريم مثلاً من البديل المبتَدَع: 

أولاً: بديل عن الشرِّ – زعموا – لم يشرعه الله ولا سنّه رسوله ولا عمل به المؤمنون القدوة؛ (مثل غناء ورقص المتصوفة (السّماع)، والمدائح الموصوفة بالنبوية، والأناشيد والتمثيليات الموصوفة بالإسلامية، والدّعوة بالتسلية من القصص والأمثال الظّنّية، والشعر والفكاهة، والمسابقات ونحوها). بحجّة: ضرورة إيجاد بديل للهو الدّنيوي يجذب الناس عنهُ؛ كأنَّ شرع الله ووَحيَه ودينه وتبليغه غير صالح لكلّ زمان ومكان وحال، وكأنَّ آخر هذه الأمة لا يصْلح بما صلح به أوّلها، وكأنّ منهاج النّبوة غير كافٍ عن منهاج البشر، بل وكأنّ البديل اتهام لرسالات الله ودعوة رسله بالنقص، عفا الله عنا وعنهم. 

ثانيًا: بديل عن الخير، وهو الأكثر والأخطر والأشنع؛ ومن أبرز أمثلته: 

1 – أعظم نِعَم الله على عباده كلماته وآياته في كتابه الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42] أنزله عليهم: لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [ص: 29] فكان الصحابة رضي الله عنهم (لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا معانيهنَّ والعمل بهنّ). 

ثمَّ وسوَس الشيطانُ بالبديل: الانشغال بالإعجاز العلمي وهو ظن مبني على فكر الملحدين، وبالحفظ (وهو نافلة)، وبالتجويد (وأكثر قواعده أقرب إلى المبالغة والتشدق والتفيهق)، بل بإحصاء عدد الحروف والكلمات والحركات عن التّدّبر والعمل وهو الفريضة، فاستجاب الأعاجم أولاً بحجة العُجمة ثم تبعهم العرب، وتميّزت دولة التوحيد والسنّة فَفَرضت في مدارسها الخاصّة بالقرآن تعليم بقيّة العلوم الشرعيّة اللازمة للتّدبّر والعمل وإن غلب الحزبيّون على العنوان فسَمَّوها (مدارس تحفيظ القرآن)، ثمَّ جاء أعجمي من الباكستان بجمعيّات تحفيظ القرآن (دون فهم) فركض الأكثرون خلفه: وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف: 187] وأُنسُوا فريضة التّدّبر. 

2 – أعظم أساس أقام الله عليه دينه الحقّ منذ أول رسالاته ورسله: إفراد الله بالعبادة ونفيها عما سواه؛ قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: 36]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25]، وهو ما خلق الله لهُ الثقلين: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وهو ما عُرِف – بَعْدُ – بتوحيد الألوهية أو العبودية أو توحيد الله بأفعال عباده. 

ثمَّ وَسوَس الشيطان بالبديل: الانشغال عن ذلك بتوحيد الرّبوبية من الخلق والرزق والإحياء والإماتة لأنه وأكثر أوليائه مُقرُّون به. 

فعرَّف منهاجُ جماعة التبليغ (أصلحهُ الله وأصلحهم) مقصِدَ لا إله إلا الله: بأنّ الله هو الخالق الرّازق المحيي المميت. 

وعرّف سيد قطب – رحمه الله – لا إله إلا الله بأن أخصّ خصائص الألوهية: الرّبوبية والقوامة والسلطان والحاكميّة (في ظلال القرآن (4/1852)، دار الشروق)، وبأنه لا شريك له في الخلق والاختيار (في ظلال القرآن (5/2707)، دار الشروق)، وبأن الإله هو: المستعلي المستولي المتسلّط (في ظلال القرآن (6/4010)، دار الشروق). 

وهذا هو بديل إبليس ومبلغ توحيده: {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الحجر: 36]. وهو بديل أوليائه من المشركين ومبلغ توحيدهم: 

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: 9]. 

3 – خطبة الجمعة فَرْض من فرائض العبادة أنعم الله بها على عباده ليتعلموا أمر دينهم من مصادره اليقينية: الكتاب والسنّة، فكانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه لا تخرج أبدًا عن ثوابت شرع الله مهما تغيّر الزمان والمكان والحال ومهما عظمت الأحداث والطوارئ، (مثل سائر العبادات وأحكام الشريعة)، وكانت السنّة: قِصَر الخطبة وطُول الصّلاة فيما روى مسلم، وحُفِظَ عن النبي صلى الله عليه وسلم: الخطبة بسورة: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: 1] كل جمعة سنتين أو سنة وبعض سنة فيما رواه مسلم [لم يلتفت إلى خبر الأحداث والطوارئ ولا إلى رغبة الناس في التّغيير والتنويع]. 

وربما كان أول بديل: الخطبة لسلطان العصر في ولاية العباسييّن حتى صار ذلك من شعائر الولاية في كل عصر، ثمَّ جاءَ السَّجع وفنون اللفظ حتى غلب الاهتمام بها على المعنى، ولا يزال بعض أشهر الخطباء في أشهر بيوت الله مستعبدين لهذا البديل المبتدع اليوم يخالفون السنة ويَحْرِمون المصلين من تعلُّم دينهم أو مجرّد فَهْم ما يقول الخطيب ولو كان منكرًا من القول وزورًا، ولقد شَهدتُ أحدَ القائمين على الخطباء في أعظم المساجد يبحث عن بعض ألفاظ خَطِيبِه في (القاموس المحيط)، وكَمْ من المصلين يستطيع الاستعانة بالقاموس على فهم الخطبة لو كان هذا هو شرع الله لا البديل منه؟ «هلك المتنطِّعون» [رواه مسلم]. 

وفي القرن الأخير وسوس الشيطان للخطباء بشرِّ بديلٍ مبتدع: التّحليلات السّياسيّة لأخبار الجريدة والإذاعة والإشاعة، واستجاب لوسوسته الفكريّون والحركيّون والحزبيّون؛ فحوّلوا فريضة الله من اليقين إلى الظَّنِّ ومن الوحي إلى الفكر، حتى تحوَّل المنبر في بيوت الله يوم الجمعة إلى مُلحَقٍ لوسائل الإعلام الفكرية والحركيّة والحزبيّة باسم الإسلام المفترى عليه ما ليس منه، واستمتع أكثر الخطباء وأكثر المستمعين لهم بهذا البديل الذي حرّرهم من حدود الشريعة ونقلهم إلى عبوديّة الهوى بعد أن سوّلت لهم النفس والشيطان أنها الحرية. 

وشرّ ما رأيت أو سمعت ممن ينتمي إلى الإسلام والسّنّة في مخالفة شرع الله تعالى وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم لخطبة الجمعة الفريضة التي منّ الله بها على عباده ليتعلّموا أمر دينهم؛ شرّه قول سلمان العودة مبتدع (الإسلام اليوم). يقول هداه الله وكفى الإسلام والمسلمين شرّه في انتقاد الخطيب الشرعي: (إمّا أن يتكلّم تحت الأرض فيما يتعلّق بأحوال الآخرة والقبر والموت، وإمّا أن يتكلّم فوق السّماء فيما يتعلّق بأمور الجنّة والنّار والبعث والحساب وغيرها.. فهذا في الواقع ذهول وغيبوبة لا يجوز أن يقع المؤمن أو العالم أو الدّاعي ضحيّتها)، مدارك النّظر في السّياسة الشرعيّة للعلاّمة عبد المالك رمضاني الجزائري، ص 326. ولولا أنّنا نختار الإحسان إليه فنعذره بجهله – كما قال العلامة صالح الفوزان عن سيّد قطب – لكفّرناه بتحريمه ما أوحى الله به وسنّه رسوله؛ فكلّ خطب النبيّ صلى الله عليه وسلّم وخلفائه وأصحابه ومتّبعيهم بإحسان في القرون الخيّرة لم تخرج عمّا في كتاب الله وحديث رسوله عن الجنّة والنّار والبعث والحساب، وعن أحوال الآخرة والقبر والموت التي لا يجيز هذا المبتدع للمؤمن الخطبة بها. واقرأ ما رواه مسلم عن أمّ هشام في الحديث الذي أوجزت ذكره من قبل: ( لقد كان تنّورنا وتنّور رسول الله صلى الله عليه وسلّم واحداً سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت {ق والقرآن المجيد} إلاّ عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب النّاس). 

4 – ولما كان أساس الإسلام – كما تقدم ـ: الأمر أولاً وقبل كل شيء بإفراد الله بالعبادة والنّهي أولاً وقبل كل شيء عن الإشراك بالله في عبادته (وأكبر مظاهره منذ قوم نوح: تعظيم قبور ومقامات ومزارات ومشاهد وأنصاب الصالحين ودعائهم تقربًا بهم إلى الله واستشفاعًا بهم إليه)؛ أرسل الله جميع رسله إلى جميع عباده بإثبات العبادة له وحده ونفيها عن من سواه قبل كلّ أمر وقبل كل نهي رغم تغيّر الزمان والمكان والحال إلى قيام الساعة كما تقدّم البيان والدّليل من نصوص الكتاب والسنّة بفهم فقهاء الأمة الأُوَل. ثمَّ وسوس الشيطان بالبديل، واستجاب له أكثر دعاة العصر تجاوز الله عنّا وعنهم؛ فتجنبوا الاقتداء بشرع الله وسنّة رسوله ومن سبقه من الرسل، وقد قال الله تعالى: قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: 108] واختطّ كلُّ مؤسس جماعة أو حزب أو فرقة (إسلامية، بزعمهم) منهاجًا محدثًا ظنّه أحرى بتحقيق الغاية، وأسوأ ما جمع بينهم: تجنّب التحذير من شرك العبادة والبدع عامّة. 

وكان بديل جماعة التّبليغ المبتدع: ستّة أصول (غلب عليها أخيرًا اسم: ستّ صفات حتى لا يَظهر أنَّها بديل لأركان الإيمان الستة أو أركان الإسلام الخمسة): الكلمة الطيبة، الصلاة، العلم بالفضائل لا المسائل، إكرام المسلم، تصحيح النّيّة، الدعوة والخروج (في سبيل الله بزعمهم). 

وكان بديل حزب التحرير المبتدع: الخروج على الحكام بالقوة. 

وكان بديل حزب الجهاد المبتدع: الجهاد غير الشرعي قبل الدعوة إلى الله على بصيرة. 

وكان بديل جماعة الإخوان المسلمين المبتدع: (38) واجبًا – حسب البيعة المبتدعة – منها: تخفيف شرب الشاي والقهوة والمشروبات المنبِّهة، وليس بينها: الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة ولا النهي عن أوثان المقامات والمزارات التي ولدت الجماعةُ – كالجماعات والأحزاب والفرق الأخرى – وترعرعت وشاخت بينها. 

———————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- سعد بن عبدالرحمن الحصين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*