الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » اتّباع الدليل طاعةٌ لله وابتداع البديل تأليهٌ للهوى (2-2)

اتّباع الدليل طاعةٌ لله وابتداع البديل تأليهٌ للهوى (2-2)

ولأنّ جماعة الإخوان المسلمين – كما يصفها الموالون لها – هي أمّ الجماعات الإسلامية فهي أم البدائل التي تتجنّب قضايا التوحيد والشرك في العبادة والسنّة والبدعة وتتشبث بما دونها أو بما ليس من شرع الله. 

وكان بديل حسن البنّا مؤسس حزب الإخوان المسلمين تجاوز الله عنه عن الموبقات السبع فيما اتفق عليه الشيخان؛ (عشرًا: الاستعمار، الخلافات السياسية والشخصية والمذهبية، الرّبا، الشركات الأجنبية، التقليد الغربي، القوانين الوضعيّة، الإلحاد والفوضى الفكرية، الشهوات والإباحية، ضعف القيادة وفقدان المناهج العلمية، فساد الخلق وإهمال الفضائل النفسية). 

وليس في هذا البديل رائحة من الشرع ولا من العقل فقد أسقط من وحي الله: «الشرك والسّحر، وقتْل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والتولي يومَ الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»، ولم يُثبِت من الموبقات كما نزل بها الوحي غير الرّبا لأنّ جماعة الإخوان المسلمين إذا اهتمت بشيء من الدين لا تهتم بغير المعاملات لتهالكها على تحصيل المال والسّياسة غير الشرعية والجهاد غير الشرعي ونحو ذلك. 

وقد أوبَقَتْ (موبقات) الجماعة أهلها باختيارهم ما يخالف قضاء الله ورسوله؛ فهي نتيجة (الفوضى الفكرية)، وهي من (القوانين الوضعيّة)، وهي (خلاف مذهبي) للشرع والتقليد، وهي نتيجة (فقدان المنهج العلمي) الشرعي. 

وهل من الشرع أو من العقل وضع (الخلافات السياسية والشخصيّة والمذهبيّة) بين الموبقات مساويةً للرّبا وفوق الشرك والسّحر والقتل بغير حقّ والقذف؟ وقل مثل ذلك عن (ضعف القيادة) ونحوه. 

وكان بديل حسن البنّا تجاوز الله عنه للوصايا (العشر) في التوراة المبدَّلة المحرَّفة أسوأ بكثير من بديل اليهود؛ فقد ابتدع اليهودُ العَدَدَ وأقرّهم هو على بدعتهم، ولكنّ بديل اليهود أقرب إلى صحيح الوصايا: (لا يكن لك آلهةٌ أخرى أمامي، لا تصنع تمثالاً ولا صورة؛ لا تسْجُد لهنّ ولا تعبُدهُنّ، لا تنطق باسم الرّبّ إلهك باطلاً، أكرم أباك وأمك، لا تقتل، لا تَزنِ، لا تَسرِق، لا تشهد شهادة زور). أما بديل البنا الموصى (بقراءته، وتدبّره، والعمل به) فقد تجنّبت وصاياه كما تجنّبت موبقاته: (النّهي عن الشرك بالله في عبادته (مرّتين) والنهي عن القتل) وهذا موافق تمامًا لمنهاج الجماعة المبتدع؛ فهم لا ينهون عن الشرك ويُتّهمون بالقتل. 

وتجنّب بديلُ البنّا ما أثبتته الوصايا في التوراة وفي القرآن: النهي عن (السرقة والزنى وشهادة الزور) والأمر (بالإحسان إلى الوالدين)؛ فكان بديله الأدنى: (قم إلى الصلاة متى سمعت النداء، أتل القرآن أو طالع أو استمع أو اذكر الله، اجتهد أن تتكلم العربية الفصحى فإنَّ ذلك من تعاليم الإسلام، لا تكثر الجدل، لا تكثر الضحك، لا تمزح، لا ترفع صوتك، تجنّب الغيبة، تعرّف إلى من تلقاه، عاوِن غيرك على الانتفاع بوقته وأوجز في قضاء حاجتك). 

ومع مخالفته وصايا الله في كتابه (بقدر مخالفة موبقاته) ونقصها عن بديل اليهود؛ فقد أثارت حمية الجاهلية الحزبيّة بعض أتباع البنا فوضعوا مجلدًا كاملاً في شرح هذه الوصايا المبتدعة، (ومَتنُها في نصف صفحة) تجاوز الله عنا وعنهم. 

وكان بديل حسن البنا تجاوز الله عنا وعنه للرجوع إلى الله والرسول عند التّنازع: (دعوتنا أحق أن يأتيها النّاس ولا تأتي هي أحدًا وتستغني عن غيرها إذ هي جماع كلّ خير وغيرها لا يسلم من النقص)، (نَزِنُها بميزان دعوتنا فما وافقها فمرحبًا به وما خالفها فنحن منه براء). مذكرات الدعوة والدّاعية (ص:232)، ورسائله (ص:17). 

وكان بديل سيد قطب ثاني أكبر قادة حزب الإخوان المسلمين (تجاوز الله عنا وعنه) من (توحيد العبوديّة؛ إفراد الله بالعبادة): (أحدية الوجود [إفراد الله بالوجود] فليس هناك حقيقة إلاّ حقيقته وليس هناك وجود إلاّ وجوده)، ومن أوصافه لها: أنّها (الحقيقة الأساسية الكبرى)، وأنها التي (أخذ بها المتصوّفة وهامُوا بها وفيها، وسلكوا إليها مسالك شتى). في ظلال القرآن (ص:3479 – 3480) و(ص:4002 – 4003). 

وقد وافق ابنَ عربي فنفى فكرة وحدة الوجود لفظاً ثم أثبتها معنى، وزاد سيّد بإثبات اللفظ بحروف (أحديّة) وهو ما قَصُر عنه ابن عربي. 

وكان بديل سيّد قطب تجاوز الله عنه للفقه في الدين (الذي سمّاه فقه الأوراق): فقه الواقع وفقه الحركة وفقه الموقف. في ظلال القرآن (ص: 2006)، وفقه المرحلة (في رواية علي عشماوي عن حياته في صفوف الإخوان). 

وكان بديل سيّد قطب تجاوز الله عنه لشرع الله (في حق الملكيّة الفرديّة في الإسلام): (الإسلام يَعُدُّ العمل هو السبب الوحيد للملكيّة والكسب) معركة الإسلام والرأسمالية (ص:40)، دار الشروق، 1993م، ط (13)، ونسي أو جهل: الإرث والهبة والصدقة ونحوها. (فأما القاعدون الذين لا يعملون فثراؤهم حرام، وعلى الدولة أن تنتفع بذلك الثراء لحساب المجتمع وأن لا تدعه لذلك المتبطِّل الكسلان). المرجع نفسه (ص:52). 

(في يد الدولة أن تنزع الملكيات والثروات جميعًا وتعيد توزيعها على أساس جديد ولو كانت هذه الملكيات قد قامت على الأسسِ التي يعترفُ بها الإسلام ونَمَتْ بالوسائل التي يبرّرها). المرجع نفسه (ص:44). 

(حق المجتمع مطلقٌ في المال وحق الملكية الفردية لا يقف في وجه هذا الحق العام، والإسلام يعطي هذه السلطات للدولة – ممثلة المجتمع – لا لمواجهة الحاجات العاجلة فحسب بل لدفع الأضرار المتوقعة). المرجع نفسه (ص:43). 

(مبدأ حق الملكية الفردية في الإسلام – تبعاً لهذا – أن تأخذ الدولة نسبة من الربح أو نسبة من رأس المال). العدالة الاجتماعية (ص:123)، دار الشروق، 1415هـ. 

وعَمِلَ جمال عبد الناصر بهذه الفتوى في سياسته الاشتراكية للمال زمن تعاونهما، ومات الاثنان على ذلك في ظاهر حالهما. 

وكان بديل سيد قطب – رحمه الله – لشرع الله في الرّق، (وَفِي الرِّقَابِ): (وذلك حين كان الرّقّ نظامًا عالميًا تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم، ولم يكن للإسلام بُدٌّ من المعاملة بالمثل حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق) في ظلال القرآن (ص: 230، 1669، 2455، 3285)، ط. دار الشروق. كأنَّ لله تعالى مُكرِهٌ، وكأنَّ الله لم يكمل الدّين ويتمّ النّعمة. 

وكان بديل سيّد قطب عفا الله عنه من وَصْف الله كتابه بالحكمة والبيان والرحمة والهدى والعظمة والبركة والشفاء واليسر والاستقامة والتفصيل والحفظ؛ وَصْف سيد كلام الله (بالتصوير البارع والمنطق الساحر والإيقاع الجميل) و (بالعرض العسكري الذي تشترك فيه جهنم بموسيقاها العسكرية) وبمختلف ألفاظ اللهو من (الفنّ والشعر والتمثيل والتصوير والرّسم والنّغَم والجرس والمشاهد المسرحية والسينمائية بل والهينمة والتعويذة) (التصوير الفني في القرآن ص (97 – 128) و (183 – 186)، دار الشروق، 2000م). وكرّر وصف كلام الله بالموسيقى. في ظلال القرآن (ص:3901 – 3906)، ط. دار الشروق. واستعان بموسيقي ورسّام وشكر فضلهما (في ضبط بعض المصطلحات الفنية الموسيقية وتناسق الصُّوَر). التصوير الفني في القرآن (ص:106، 114)، ط. دار الشروق. 

وذكر أنَّ سبب خروجه عن تفسير المفسرين في القرون المفضلة: محاولة إبعاد (جناية الطريقة المتبعة في التفسير) عن القرآن منذ نزوله حتى بدعة سيّد قطب التي لم يسبقه إليها غير الزمخشري المعتزلي والجرجاني الأشعري. التصوير الفني ص:26-33 

وكان بديل سيّد قطب (تجاوز الله عنا وعنه) من عقيدة الولاء والبراء الشرعية: (الارتباط بين القلب البشري وبين كل موجود برباط الحبّ والأنس والتعاطف والتجاذب… فكلها خارجة من يد الله وكلها تستمد وجودها من وجوده وكلها تفيض عليها أنوار هذه الحقيقة [أحديّة الوجود]؛ فكلها إذن حبيب إذ هي هدية من الحبيب) في ظلال القرآن (ص:4003). وبين (كل موجود): الوثني واليهودي والنّصراني والملحد. 

وفي المقابل: وصف موسى عليه السلام بالاندفاع وعصبية المزاج وبالتّعصّب القومي، وبأنه لم يكن هادئ الطبع ولا حليم النفس، وبالحنق الظاهر والحركة المتوترة. التصوير الفني في القرآن (ص:200 – 203). أَبراءةٌ من خُلُق الرّسول؟ ووصف الخليفة الراشد المهدي عثمان رضي الله عنه بأنَّ عهده – الذي تحكّم فيه مروان – كان فجوة بين الشيخين وعلي رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم، وبانحراف عهده عمّا سمّاه (النظرة الإسلامية والتصور الإسلامي في سياسة المال والحكم)، ومجّد الثورة الخارجة عليه بأنها (كانت فورة من روح الإسلام) ومجّد الخارجين عليه بأنهم (أُشرِبت نفوسهم روح الدّين إنكارًا وتأثمًا) 

العدالة الاجتماعية بعد تعديلها (ص:159 – 175). أبراءةٌ من خُلُق الوليّ؟ 

وضرب مثلاً للتضخم الفاحش في الثروات الذي ظنَّ أنه (يحطم الأسس التي جاء هذا الدين ليقيمها بين الناس) بعدد من كبار الصحابة والمبشرين بالجنة منهم (عثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص) رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. العدالة الاجتماعية بعد تعديلها (ص:175). 

ووصف معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وأرضاهما بالركون (إلى الكذب والفسق والخديعة والرشوة وشراء الذمم) (كتب وشخصيات (ص:242)، طبعة دار الشروق) في كتب تتكرر طباعتها بعد عشرات السنين من موت سيد (ويصفها ناشرها محمد قطب بالشرعية). 

وحكم على البشرية جمعاء بالرّدّة (بمن فيهم الذين يردّدون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا الله)، (ولو توجّه العبد إلى الله في ألوهيته وحده ودان لشرع الله في الوضوء والصلاة والصوم وسائر الشعائر)، (لأنّها: لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها). أبراءة من الإسلام وأهله.

وأوصى من سّماها (حركات البعث الإسلامي) و (العصبة المسلمة) بما يلي: 

(أن تتبيّن أنَّ وجود الإسلام قد توقف)، وألاّ (تظنّ لحظة واحدة أنَّ الإسلام قائم وأنَّ هؤلاء الذين يدّعون الإسلام ويتسمَّون بأسماء المسلمين هم فعلاً مسلمون)، وأنّه (لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذاب إلاّ بأن تنفصل عقيديّاً وشعوريّاً ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلاّ أن تشعر شعورًا كاملاً: بأنها هي الأمة المسلمة وأن ما حولها ومنْ حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلَتْ فيه جاهلية وأهل جاهلية)، وأنَّ الله يرشدهم بقوله: وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً [يونس: 87 ]: إلى اعتزال معابد الجاهلية [المساجد] واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحسّ فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي). انظر: معالم في الطريق (ص:101 – 103)، العدالة الاجتماعية (ص:185و216)، في ظلال القرآن (ص:1057، 1492، 1816، 2009، 2033، 2122)، وأمثالها كثير في مختلف كتبه عفا الله عنه وعَذَرَهُ بجهله وحماسه الأهوج؛ فقد عمل بهذه الوصايا الضالة كثير من الشباب الضالّ بها. 

وكان بديل سعيد حوّى مرشد الإخوان المسلمين في سوريا (عفا الله عنا وعنه) لتحقيق الكمال النفسي والإحسان السّلوكي: التصوّف؛ (لأنّ الصوفيّة هم الذين ورثوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم تربية النفس … فما لم يأخذ الإنسان عنهم تبقى نفسه بعيدة عن الحال النّبويّة). تربيتنا الروحيّة (ص:31). 

وأيّد مُنكَرَ دعواه بخرافة (الضّرب بالشيش) التي ورثها الصّوفية الرفاعيّة عن الوثنيين الهندوس لأنها: (من أعظم فضل الله على الأمة وتصديق لمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء). تربيتنا الروحية (ص:64 – 68). 

وكتاب تربيتنا الروحية لسعيد حوّى وعدد من كتبه مثل أكثر كتب سيّد قطب من أهم (إن لم أقل أهمّ) المراجع الدينية لشباب جماعة الإخوان المسلمين ومن ورائهم أكثر شباب الصحوة بزعمهم، فقد انشغلوا بها عن الوحي والفقه فيه. 

وكان بديل عمر التلمساني المرشد العام لجماعة الإخوان (تجاوز الله عنا وعنهم) لإخلاص العبادة والدعاء لله وإنكار المنكر: أنه (لا داعي إذن للتشدد في النكير على من يعتقد في كرامة الأولياء واللجوء إليهم في قبورهم الطاهرة والدعاء فيها عند الشدائد… ولئن كان هواي مع أولياء الله وحبّهم والتعلق بهم، ولئن كان شعوري الغامر بالأنس والبهجة في زيارتهم بما لا يُخِلُ بعقيدة التوحيد فإني لا أروّج لاتجاه بذاته فالأمر من أوله إلى آخره أمر تذوّق) شهيد المحراب (ص:226). ألا يخل بعقيدة التوحيد اللجوء إلى القبر (وثن) البدوي – مثلاً – والدعاء فيه عند الشدائد والتعلق به وحُبِّه وإحالة أمر الاعتقاد والعبادة من أوله إلى آخره إلى الذوق لا إلى الدليل من الكتاب والسنّة بفهم السلف؟ اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً. 

ومع انتشار البديل والتّبديل الفكري على شبكة المعلومات العالمية، فلربما كان أشهر وأخطر مواقعه: (الإسلام اليوم) الذي تحوّل إلى مؤسسة واسعة تستخدم أكثر وسائل الإعلام وتستدرج الشباب (المعلمين خاصة) إلى شبكتها (العنكبوتية) ليعينوهم على نشر ما يظنونه الحق. ويفهم الكثيرون من أهل الحديث من عنوان الموقع والمؤسسة والمجلة ومن أخطر ما ينشر فيهما: التركيز على نشر منهاجٍ جديدٍ للفقه يختلف عن منهاج السلف بحجة اختلاف الأزمان والأحوال يبتعد عمّا سمّاهُ سيد قطب تجاوز الله عنا وعنه: (فقه الأوراق) وهو الفقه في الدين كما عرفه الصحابة وجميع فقهاء القرون المفضلة ويوافق ما سمّاه سيّد (فكر الحركة والواقع والموقف والمرحلة)، (وآخر ما اطلعت عليه من تأليف شَعْوذيِّ هذا الموقع والمؤسسة رسالة بعنوان: فقه الموقف). 

وقد ردّ بعض دعاة منهاج النبّوة على هذا التبديل بإنشاء موقع باسم (الإسلام العتيق) ولكنه الأقل شهرة والأقل قبولاً كما هي العادة؛ لأنّ الأنفس الأمارة بالسّوء (وهي الأكثر) لا تهواه والشيطان (أعاذ الله الجميع منه) لا يُحَلِّيْه في القلب والسمع والبصر كما يفعلان بالبدائل والمناهج المبتدعة الصارفة عن الحق سبيل المؤمنين. 

ولأنّ الموقع والمؤسسة لا يخرجان قيد أنملة عن فكر شعْوذيّهما المؤسّس فلنأخذ منه نموذجًا؛ ليتبيّن لنا أنَّ أكثره شقشقة تَصْرف عن الفقه إلى الفكر، وعن سبيل المؤمنين إلى سبيل المفكرين (الإسلاميين بزعمهم)، وقد يصل بالمتلقِّي إلى الانتماء (بالعصبية والتقليد) إلى أغلال وعبودية الفِرقة والحزب والطائفة الفكرية المبتدعة، ولكنه لا يُقرِّبه أبدًا إلى منهاج النّبوّة والصّحبة والاتّباع: في مقابلة أشبه بالدعائية الترويجية على موقع فكري مبتدع آخر (إسلام أُنْ لاين) أوصى شَعْوَذي (إسلام اليوم) الفكري نفْسَه وغيره (بالانسجام النفسي، وصفاء النفس، والصفاء والنقاء القلبي)، وادّعى أنَّ نتيجة ذلك ربما بلغت (60 % من زوال الخلافات بين المسلمين)، أما (40 % الباقية فترجع إلى اختلافات في الرأي والاجتهاد تدعو الرُّوح النقيَّة والنفسية السليمة والقلوب الصافية إلى عدم الانشغال بها عن جوانب الاتفاق الكثيرة واعتبارها من باب التنوع والتعدد المقبول شرعًا). 

بأيّ ميزان نزن مقدمة الصفاء والنقاء والانسجام النفسي والقلبي والرّوحي؟ 

وبأيّ ميزان نزن نتيجة 60 و40 %؟ أما الكتاب والسنّة اللذان أشار إليهما مرّة، وأما فقه الأئمة الأُول في الدين الذي لم يذكره ولو مرّة فلا أثر لمقدمته ولا نتيجته في أيّ منهما، بل هو الفكر والهوى الذي أُسِّس عليه الموقع والمؤسسة من أول يوم وهما فراشه وغطاؤه أبدًا. 

ولا أجدُ تنفيذاً لهذا الفكر المخالف للوحي والفقه في الدين إلا بهجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (بخاصة) مراعاة للنقاء والصفاء والانسجام النفسي والقلبي وأن تحكم هذه الصفات الخيالية علاقة السني بجميع الفِرَق الضالّة، وعلاقة مُفرِد الله وحده بالعبادة مع وَثَنِيّ المقامات والمزارات والمشاهد، وعلاقة المتّبع بالمبتدع وبالصوفي وبالخرافي والقبوري. وعلى الولاء والبراء السلام. 

وأكد ذلك بإجازته الأخذ عن ثلاثة من الدّعاة على غير منهاج النبوّة؛ بحجة (أن لهم أثرًا كبيرًا في طوائف من الشباب والفتيات … أما منهجهم فلا يضر لأنّ التخصص وارد)؛ أعجب كيف يضل الفكر وصاحبه إلى هذا الحدِّ المخالف للشرع والعقل! إذا كان مجرّد الأثر دليلاً على الهدى فإنّ لإبليس والهوى أثرًا بالغًا على أكثر أهل الأرض، بل المنهج هو معيار الحُكْم بالهدى أو الضلال؛ فالهدى في منهاج النبوة وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين ومن تبعهم في القرون المفضّلة، والضلال في منهاج الفكر والهوى والظن قال الله تعالى: إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23]، وقال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115]. 

وقد أحسن مرّة فأجاب على سؤال عن حوادث التفجير والعنف بأنَّه [المفكر الإسلامي] (وجميع أهل العلم موقفهم واحد تجاه هذه الأحداث وهو الإدانة) ومع دعائي له بمزيد من التّوفيق إلى منهاج النبوة فإني لا أشك أنَّ فكره (وعصابته) كان من أوّل أسباب هذا الفساد – دون قصد منه فيما أظن – فإذا أُذِن للفكر أن يُزاحم الوحي والفقه، وإذا أُذِن لمناهج البشر أن تزاحم منهاج النبوة فلن تكون النتيجة إلا شرًّا، وهو – هداه الله لأقرب من هذا رشدًا – في منهاجه بل في مقابلته هذه يوجب (ألاّ نسمح لأي طرف حكومي أو دعويّ أن يستأثر بالخطاب دون غيره)، ويخلط – هداه الله – بين (العلم) ويمكن قياسه بالوحي والفقه فيه من أهله الأُول – وبين (التجربة والرؤية والفهم) ولا زمام لها ولا خطام، ويمكن أن يدّعيها ابن لادن والظواهري وأمثالهما، بل خصّ المنهج السلفي – وهو وحده الملتزم بالوحي والفقه فيه من أهله – بوجوب (المراجعة المستمرة والتغيير نحو الأفضل ومعايشة التّغيّرات) بحجة (أنَّ الشافعي وأحمد وابن تيمية وغيرهم من كبار أئمة السلف راجعوا مذاهبهم)، ولعله لا يجَهَل أنَّ تغيير الحُكْم في جزئية صغيرة لا يعني تغيير ولا مراجعة المنهج القائم على النّص والفقه فيه من أهله (لا الفكر ولا أهله) فهذا المنهاج هو وحده الحق ولا يجوز تغييره ولا تبديله. 

دلّ الله الجميع على الحق وثبّتهم عليه وأعاذهم من نزغات الشيطان ووسوسته ومن شرِّ النفس وتسويلها. وصلّى الله وسلم وبارك على نبيِّه وعلى آله وصحبه ومتبعي سنّته. (1428هـ). 

—————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- سعد بن عبدالرحمن الحصين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*