السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عن التطرف والتطرف المضاد

عن التطرف والتطرف المضاد

خلال أيام تراجعت كل من فرنسا وبريطانيا عن تحمسها لتسليح المعارضة السورية ملتحقتين بالموقف الأميركي، المتذرع بتعاظم نفوذ الجماعات «التكفيرية» داخل صفوف قوى المعارضة الثائرة على حكم بشار الأسد. وفي المقابل، صوت الاتحاد الأوروبي بالإجماع على اعتبار «الجناح العسكري » لـ«حزب الله» اللبناني تنظيما إرهابيا.

قد يجد كثيرون في الخطوتين الأوروبيتين محاولة لتحقيق «توازن» ما في المقاربة الغربية للأزمة المستفحلة في المشرق العربي. وقد يقرأ بعضهم في هاتين الخطوتين تأثرا بموقف أميركي سلبي من الثورة السورية ومناوئيها على السواء، بصرف النظر عن مسوغات ذلك الموقف، عجزا كان أم ترددا أم تآمرا.

غير أن الحقيقة التي ما عاد بمقدور أي محلل عاقل تجاهلها أن الأوضاع الاستقطابية في المنطقة تتطور وتتبلور بصورة يستحيل معها الاستمرار ببيع الأوهام وخداع الذات. وغدا الخطاب الفئوي المتعنت في الاتجاهين، شئنا أم أبينا، حقيقة واقعة تنذر بانفجار لا تحمد عقباه. فحتى أشد المتحمسين للثورة السورية والمحذرين من الطموح الإقليمي الإيراني باتوا متنبيين إلى التهديد التي أخذت تشكله الجماعات الإسلامية المتشددة، ومعظمها «تكفيري» حقا، على مستقبل الثورة أولا، ومستقبل سوريا الموحدة ثانيا. وخير دليل على ذلك النقمة العارمة في مناطق سورية يشكل أهل السنة والجماعة السواد الأعظم من أهلها، كمحافظتي الرقة والحسكة، على تجاوزات هذه الجماعات.. التي جاء معظمها إلى سوريا بعد اندلاع الثورة الشعبية.

لقد أثارت تجاوزات جماعات يزعم بعضها سعيه لـ«نصرة» أهل الشام، والبعض الآخر العمل على تأسيس إمارة إسلامية في الشام والعراق، نفورا كبيرا في البيئة السنية التي هي صاحبة المصلحة ليس فقط في اقتلاع نظام فئوي فاسد ومتسلط يعتمد على دعم خارجي مكشوف، بل أيضا في حماية وحدة سوريا تحت راية عربية متسامحة تتقبل الاختلاف المذهبي والعرقي واللغوي. وهذا ما تجلى أخيرا في ما حدث على امتداد المناطق الحدودية في شمال شرقي سوريا، وكذلك عبر سير العمليات العسكرية في وسط سوريا وشمال غربها، وينذر بانحدار البلاد حقا نحو التقسيم.

هذه التيارات المتشددة التي تسعى فعليا إلى «مصادرة» الثورة السورية بل اغتصابها، تزعم أنها تتصدى لغزوة إيرانية «مجوسية» توسعية. وفي مواجهتها تدعي إيران والفئات السائرة في ركابها تحت رايات «الولي الفقيه» أنها تناضل ضد «التكفيريين» والأنظمة العربية التي فرطت بالجهاد من أجل تحرير فلسطين وهادنت «العدو الإسرائيلي». وفي نهاية المطاف تؤدي تصرفات الفريقين إلى إهداء غلاة المتطرفين الإسرائيليين وأمثالهم – كالقس تيري جونز «حارق المصحف» في الولايات المتحدة – ذريعة جاهزة للمضي أبعد في تطرفهم ورفضهم تقديم أي تنازلات للفلسطينيين أو التعايش مع جيرانهم العرب.

ولنترك المشهد السوري – اللبناني – الفلسطيني لبرهة ونذهب إلى مصر.

في مصر، التي يشكل أهل السنة والجماعة أكثر من 99 في المائة من مسلميها، طفح خلال سنة واحدة كيل المواطن العادي بحكم «الإخوان المسلمين» وجماعات الإسلام السياسي الأخرى، وتظاهر 33 مليون مصري في الشوارع والساحات ضد رئيس لم يحترم روح الديمقراطية التي أوصلته إلى سدة الرئاسة. وجاءت إزاحة الدكتور محمد مرسي ردا عمليا بليغا على من يبررون التمدد الإيراني في العراق وبلاد الشام والخليج بحجة «حماية الأقليات» – الإسلامية وغير الإسلامية – وذلك لأنه دل بوضوح على أن الكثرة الكاثرة من المسلمين معتدلة وعاقلة وتفهم العالم وتريد من العالم أن يتفهمها.

ثم أنه جاء ردا أبلغ على «التكفيريين» الإقصائيين الذين يدعون حصرية تمثيل الإسلام، والذين يبثون سمومهم الفكرية صباح مساء عبر فضائيات ومواقع إلكترونية. ولمزيد الأسف أتيحت لي أخيرا فرصة متابعة هؤلاء في برامجهم الكارهة والكريهة، ومنها «محاكمات» لأصحاب الرأي أو المذهب الآخر على غرار ما فعلته «محاكم التفتيش» الإسبانية، أو تحريضا مقيتا شبيها بالتحريض الفتنوي الحاقد لـ«إنجيلي» الفضائيات الأميركية، وهذا مع علمهم أن الفتنة التي يروجون لها أشد من القتل. وفي اعتقادي أن أمثال هؤلاء، بقصد أو دون قصد، شركاء لبشار الأسد في جرائمه لأنهم يعطونه حجة الدفاع عن النفس، ويجندون له واقعيا عشرات الألوف من الخائفين من أبناء الأقليات المهدور دمها على أي حال.

قبل أيام تلقيت على بريدي الإلكتروني، من أصدقاء لي ذوي خلفيات طائفية مختلفة، رسالة لا أدري مدى صحتها كتبتها من تقول إنها مهندسة يهودية – ويبدو لي من اسم عائلتها أنها يمنية – وفيها تتساءل: «كيف يسلم اليهودي وهذا حال المسلمين؟!».

أكرر لست واثقا من صحة الرسالة لكن التساؤلات المطروحة فيها يجوز أن يطرحها أي مسلم أو أي إنسان معجب بتعاليم الدين الحنيف ورسالته السامية. ومما ورد في الرسالة «بعث لي أحد الأصدقاء قصة جميلة عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ويهودي كان يسكن جواره ويلحق به الأذى والنبي يصبر عليه، وعندما مرض اليهودي زاره النبي فخجل اليهودي من أخلاقه ودخل الإسلام… عندما قرأتها فهمت أن تصرفات وأخلاق النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كانت هي مقياس اليهودي للإعجاب بالإسلام واعتناقه قبل حتى أن يقرأ ما في القرآن.. ولحظتها تساءلت مع نفسي: يا ترى المسلمون اليوم بماذا سيغرون اليهودي لدخول الإسلام؟!».

وتابعت الرسالة «المسلمون اليوم مذاهب متعددة وكل مذهب يعتبر الآخر كافرا ويحلل قتله.. فلو أردت – كيهودية – دخول الإسلام فهل أدخله من باب السنة أم الشيعة أم المذاهب الأخرى؟ وأي منها أعيش فيه بسلام ولا يحلل قتلي أنصار مذاهب الإسلام الأخرى؟!». واستطردت متسائلة عن «الفرقة الناجية» وكيف يضمن اليهودي – أو غير اليهودي – أن ينضم إليها وليس إلى غيرها؟ ثم قالت «المسلمون اليوم يتقاتلون بينهم البين (كذا) في كل مكان، ويذبحون بعضهم البعض بطرق بشعة جدا.. فكيف يقتنع اليهودي بدخول الإسلام إذا وجد المسلم يقتل أخاه بسبب الدين نفسه، بينما لا يمكن أن يسمع أحدكم بأن اليهود يقتلون بعضهم البعض بسبب الدين، بل على العكس إسرائيل أقامت دولتها بسبب الدين؟».

… سؤال يطرح!

————————-

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- إياد أبو شقرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*