السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ما أشبه الليلة بالبارحة

ما أشبه الليلة بالبارحة

أقام العرب المسلمون دولة الأندلس، وظلت عامرة زهاء ثمانية قرون، وفي خلافة عبد الرحمن الناصر (300-350ه/ 912-961م) كانت هي الأقوى والأكثر حضارة، ورقياً، وعلماً، ومقصداً لطلاب العلم والمعرفة والسياحة من شتى أنحاء المعمورة.

عاش المسلمون، وسواهم، في الأندلس – ولفترات من الزمن – حياةً اقتصادية واجتماعية مزدهرة. وكان الأجمل في الحضارة الأندلسية أنّها قامت على قواعد القوة والمنعة، والعز والتمكين، ممّا جعل الأعداء والخصوم يحسبون لها ألف حساب، فخضعت لها الممالك النصرانية، وفرضت واقعاً جغرافياً وسياسياً تتحكم في كل أدواته ومفاصله.

مبنى الحضارة والدول، ودعامة بقائها، ونقائها: وحدة الصف، واتحاد الكلمة، وتقديم المصالح العليا للأمّة على سواها، والمحافظة على حياة الصلاح والاستقامة. وهذا ما لم يدركه حكام وولاة الأندلس، وما لم يدركه كذلك الكثير من العلماء آنذاك، وقد انحسرت رسالتهم الإصلاحية في توجيه مسار الأمة، ومناصحة ولاة الأمر، أمام بريق المصالح المادية، والمنافع الخاصّة. فكان أن دخلت بلاد الأندلس بعد حين من الاستقرار والازدهار – ونتيجة لغلبة المصالح والمنافع الضيقة، وتفرق الكلمة، والانتهازية المفرطة، والانغماس في حياة اللهو والترف – في صراعات مريرة، وفتن واضطرابات شديدة، تشرذمت إثرها إلى ممالك متناحرة، ومتنافسة، ومتناكفة، وبلغ الأمر أشدّه باستعانة بعضهم بالممالك الإسبانية النصرانية ضد بني جلدتهم، وحتى موالاة النصارى، وإحسان الظن بهم، والوثوق بعهودهم. ومن المفارقة العجيبة أنّ قتلى وخسائر الأندلسيين في صراعاتهم البينية، قد تجاوزت بكثير قتلاهم وخسائرهم في فتوحاتهم، وصدهم لهجمات الممالك الإسبانية على دولتهم.

لذا كان من الطبيعي، والحال كذلك، أن تستغل الممالك النصرانية هذه الأوضاع المتردّية للأندلسيين، وأن تحشد قضّها وقضيضها للإجهاز عليهم، وبالفعل، أخذت الممالك والمدن الأندلسية تتساقط واحدة تلو الأخرى في قبضتهم، ورجالها يقتلون، ونساؤها تسْبى، وروعت البلاد والعباد بجيوشهم الغازية. وكانت مملكة غرناطة آخر الممالك العربية التي سقطت. وبسقوطها، انتهى الوجود والحكم العربي الإسلامي في الأندلس، وكانت النهاية المريعة على أيدي محاكم التفتيش النصرانية.

حين اختلت الشروط الموضوعية للحضارة الأندلسية، سقطت، وسقط معها كل أحلام العرب في فردوسهم الذي خرّبوه بأيديهم قبل أيدي أعدائهم. وقد وصف ابن خلدون الحضارة وقد اختلت شروطها الموضوعية بأنّها “غاية العمران ونهاية لعمره وأنّها مؤذنة بفساده”. وهذه النهاية هي منطق الأشياء، وسنن الله في كونه.

ما أشْبه اللّيْلة بالبارحة، التاريخ يعيد نفسه، وصراع المصالح يتكرر، والفتن الطائفية تحضر بقوة، والخلاف والاختلاف سيد الموقف، هذا هو حال العرب، أو دويلات العرب بعد خمسة قرون ونيف من سقوط الأندلس، إذ يبدو أن ذاكرتهم التاريخية معطّلة، وأمثالهم وحكمهم (السّعيد منْ وعظ بغيْره) خارجة عن التغطية، ونسيجهم الاجتماعي ممزق، ومن ثمّ فهم يعيشون في غيبوبة كاملة منذ أزمنة عديدة، أفقدتهم كل مقومات النهوض، وبناء العزة والكرامة، ومعاني الوحدة والاتحاد، والاعتبار والعظة بأحداث الزمان والمكان. والإلمام بالظروف والمعطيات السياسية والتاريخية، فتهيأت بذلك، خلال الزمن، الفرصة تلو الأخرى، لكل طامع وناعق، في الشرق والغرب، لممارسة لعبة المصالح والقوة والعدوان، في استرخاص مشين للدماء والمصالح والكرامة العربية.

إذن العرب اليوم في حال ومآل لا يحسدون عليه، فالعراق دولة فاشلة، تنهش مفاصلها الصراعات الطائفية. وسورية تمّ تمزيقها، وتحوّل أهلها إلى شيعاً وأحزاباً يفتك بعضهم بعضاً. ولبنان يخضع بالكلية لولاية الفقيه في قم الإيرانية، وتكاد الفتن الطائفية تعصف بكيانه الصغير. ومصر المحروسة، لم تعد كذلك، وغاب عن أهلها، ومثقفيها، وناشطيها، وساستها، صوت العقل والحكمة، وها هي تنزلق نحو الفوضى، والاحتراب الداخلي. والسودان متشرذم منذ عقود من الزمن، والصراع والاقتتال أحاله إلى دولة بائسة. وليبيا تحولت بعد حكم العقيد إلى حكم الميلشيات. والسلطة الفلسطينية في رام الله، وحركة حماس في غزة، منغمستان حتى الثمالة، في صراع سياسي مرير، والمصالحة تراوح مكانها، وأوضاع الفلسطينيين من سيئ إلى أكثر سوءاً، وكأنّ معاناتهم من الاحتلال الإسرائيلي لم تكفهم، فجاء الانقسام الفلسطيني الداخلي ليزيد من درجة معاناتهم، وإحباطهم كذلك.

في مقابل هذا التّردي العربي، تبدو دولة العدو المفترض إسرائيل، والدولة الفارسية في حالة من النشوة والسعادة والابتهاج، فالعرب مشغولون بصراعاتهم، وقضاياهم الداخلية، والغرب يقف متفرجاً على سيّر الأحداث، وإن كان لا يخفي سعادته، فما يجري يصب لصالح أجندته وسياساته في المنطقة العربية. كل هذه الأجواء أتاحت لإسرائيل فرصة تاريخية لدعم برامج ومشاريع تهويد فلسطين، وزرع المزيد من المستوطنات، وفرض سياسات الأمر الواقع. كما أتاحت للدولة الفارسية المتربصة تنفيذ سياساتها وأطماعها التوسعية في المنطقة العربية، المغلفة بنكهة طائفية بغيضة، وها هي اليوم تسرح فيها وتجول، وتنشر التشرذم والدمار والحروب والصراعات الطائفية في العراق وسورية ولبنان.

هذه المرحلة العربية المأزومة، وأجواء عدم الاستقرار، وحالة الاستقطاب الفكري والسياسي العربي، غير محتملة في بعديها القصير والمتوسط، واستمرارها ينذر بمستقبل قاتم، بكل آثاره الكارثية، ليس على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومشاريع التنمية المستدامة فحسب، وإنما سوف يفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الدولية والإقليمية في المنطقة العربية، وإعادة رسم خارطة جديدة لتقاسم النفوذ، تهيمن عليها إسرائيل وإيران بمباركة وتواطؤ غربي. وكل المؤشرات الراهنة تتماهى مع مسارات هذه الخارطة. وعندئذ ف ” لات حين مناص”.

كلمة أخيرة:

يدفع العرب اليوم، وبقسوة، فاتورة وثمن غياب الرؤية الفكرية والسياسية الرشيدة، والضمائر الحيّة المؤمنة بقضايا ومصالح الأمّة، وقد خسروا في ذلك الكثير من معطيات الحاضر والمستقبل معاً.

من شعر أديب الأندلس” أبو البقاء الرندي: 

لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان **** فلا يغرّ بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول***من سرّه زمن ساءته أزمان

=============

نقلاً عن الرياض

-- د. عبدالمجيد بن محمد الجلاّل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*