الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الدولة المذهبية تُعبِّد طريق الدولة اليهودية

الدولة المذهبية تُعبِّد طريق الدولة اليهودية

في وغى الحروب الداخلية والاستقطابات والتجاذبات، يطل مشروع الكيان الصهيوني وحلمه في اعتراف دولي ليهودية الكيان ليقدم مسوغاً قانونياً وسياسياً للقيام بخطوة ظل ينتظرها منذ عام 1948، عندما تأسست دولة الكيان على أراضي 1948 في فلسطين، لتعقبها في عام 1967 باحتلال ما تبقى من فلسطين وأراضٍ عربية أخرى في سيناء المصرية والجولان السورية واقتطاع قرى لبنانية. 

لكن الكيان الصهيوني اليوم في أكثر حالاته تجلياً بسبب الاحتراب الداخلي في عديد من بلدان المنطقة، وخصوصاً الوضع المتردي في سوريا، والتسخين الذي يجري الإعداد له في لبنان المحتقن أصلاً، وحالة عدم الاستقرار الذي تعاني منه مصر وليبيا وإلى حدٍّ ما تونس واليمن.

تشجع النظرة المتشائمة هذه، طبيعة النظم التي جاءت إثر الربيع العربي والثورات التي شهدتها تونس ومصر وليبيا واليمن، والأحداث الدامية في سوريا التي يبدو أنها مرشحة للاستمرار لتدمير ما تبقى من سوريا، إنْ على صعيد البنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة، أو على صعيد تدمير النسيج المجتمعي وبث الحقد والكراهية بسفك مزيد من دماء السوريين الذين لا يعرفون لماذا يتم قتلهم بدم بارد. بينما تزداد الشعوب العربية فقراً وجهلاً وبطالة ومرضاً، رغم ما تنعم به المنطقة من خيرات وثروات طبيعية تُحسد عليها.

دولة الكيان تراقب المشهد العبثي الدموي الذي ستفرزه الأوضاع في المنطقة. 

ربما أصيبت بنكسة كبرى مع بروز نجم حركة تمرد في مصر وإبعاد الإخوان المسلمين عن السلطة، مما وجَّه ضربة قاصمة إلى مشروع يقوم على أساس حكم المرشد، حيث استنفرت قوى الإخوان في كل المنطقة لدعم الإسلام السياسي في شقه الإخواني، مدعوماً بالدولة التركية التي كشفت في الآونة الأخيرة عن عمق انتمائها لفكر الإخوان المسلمين، يدعم هذا القول أن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لم يتوقف عن إرسال خطابات التأييد لنظرائه في مصر، رغم إدراكه أن مثل هذه التصريحات تصنف في خانة التدخل في الشؤون الداخلية للدول. أنقرة اليوم تستضيف عديداً من المؤتمرات التي ينظمها الإخوان لترتيب أوضاعهم إثر ضربة مصر. 

وعلى أرضية أنه جاء للسلطة ليبقى فيها ويطوع الآليات الديمقراطية لتبقيه إلى أبد الآبدين فلم تكن مستغربة التصريحات التي تناقلتها وكالات الأنباء عن حزب النهضة في تونس (إخوان مسلمون) في تعليق قياداته على عزم المعارضة التونسية تكرار تجربة حركة تمرد في مصر. 

فالنهضة ترى أن الحكم جاء بعد طول انتظار وتضحيات جسام أدخلت عناصرهم وأنصارهم في السجون وتعرَّضوا للإبعاد من البلاد وأُخضعوا للتعذيب والقتل خارج القانون. ورغم أن جزءاً من هذا الادعاء صحيح إلا أن الصحيح أيضاً هو أن الشعب التونسي بأطيافه كافة قد تعرَّض وطوال عقود من الزمن لنفس الانتهاكات التي تعرَّضت لها عناصر النهضة، ولا يحق لأي أحد كان في أي بلد أن يصادر عمن الآخرين حقوقهم في الشراكة السياسية والمنافسة للوصول إلى سدة الحكم احتكاماً لصندوق الاقتراع والعمل السلمي ونبذ العنف بأشكاله ومصادره كافة.

ولعل هذه المعطيات هي التي تعبّد الطريق إلى دولة الفرقة الناجية، التي تقود إلى مصادرة حق الآخر بل وتشطبه من المعادلة السياسية والاجتماعية، وإن كان ذلك على حساب وحدة الوطن ونسيجه المجتمعي وحقه في التعددية السياسية والإثنية والعرقية دون طغيان وتعسُّف. 

فدولة الفرقة الناجية التي تسعى جماعات الإخوان وتنظيمها الدولي إلى تعميمها على المنطقة هي التي تؤسس وتعبّد طريق الدولة اليهودية في فلسطين، وتعطي صكوك براءة لما يقوم به جيش الاحتلال من عمليات هدم وتشريد واقتلاع للشجر والحجر والبشر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليس في أراضي الثمانية الأربعين فحسب، بل أيضاً في أراضي السبعة والستين التي تتعرض لقضم متواصل بفعل جدار الفصل العنصري الذي تشيده دولة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية وتزيد من سعة المستوطنات وجغرافيتها وتحول الكروم والبساتين إلى مبانٍ تستقبل فيها المهاجرين اليهود من شتى بقاع الأرض على حساب الشعب الفلسطيني. 

أما في أراضي الثمانية الأربعين فإن الوضع يبدو أكثر سوءاً، حيث بدأ الكيان بعمليات الترانسفير في منطقة النقب كجرعة زائدة عن العمليات الروتينية التي يمارسها ضد عرب فلسطين التاريخية منذ إنشاء الكيان.

وحيث إن التضامن العربي في أضعف حالاته، والقضية الفلسطينية في ذيل الاهتمامات، فقد وجد الصهاينة والإدارة الأمريكية أن الوقت قد حان لانتزاع مزيد من التنازلات من الجانب الفلسطيني الذي يعاني من تشظٍّ وانقسامات بسبب الخلاف الدامي بين حركتَيْ فتح وحماس، وسعي الحركتين لتهميش القوى والفصائل الوطنية الأخرى. 

والأخيرة تدفع ثمن هذا الانقسام بشكل مضاعف في الوقت الذي تسعى الحركتان لتحالفات خارجية ضد بعضهما بعضاً. 

وهذا عنصر آخر لتقزيم القضية المركزية وتحويلها إلى عراك داخلي على السلطة بدلاً من تعميق فعلها في تحرير الأرض والإنسان من رجس الاحتلال. إن دولة الفرقة الناجية في هيكلتها ونظرتها للإنسان لا تختلف البتة عن الدولة اليهودية.. كلتاهما تنظر إلى الآخر على أنه لا شيء.

—————————

نقلاً عن الشرق

-- رضى الموسوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*