الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الاستثمار في المجتمع المغربي

الاستثمار في المجتمع المغربي

يعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي واحداً من المجالس الدستورية المغربية النشيطة الذي يبدي آراءه في المسائل الحيوية التي تهم مستقبل البلد، واستوقفتني مؤخراً دراسة قيمة قام بها المجلس 

حول موضوع الميثاق الاجتماعي بهدف تحديد مكوناته، واقتراح منهجية من أجل إبرام التعاقدات الكبرى وإجراءات تفعيلها. 

وقد أشرفت مجموعة عمل أحدث لهذا الغرض واللجنة الدائمة المكلفة بالشؤون الاجتماعية والتضامن الذي تم تأسيسها بتاريخ 9 يونيو2011 على إنجاز تقرير بعنوان: “من أجل ميثاق اجتماعي جديد: ضوابط يجب احترامها وأهداف ينبغي التعاقد بشأنها”. 

واستنادا إلى عمليات الاستماع الواسعة والتحليل والمناقشات المستفيضة التي قام بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، حصلت لديه القناعة بأن التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق وتحقيق التنمية البشرية ينبغي لها أن تتبوأ من الآن فصاعدا مرتبة الأولويات، فكل مكونات المجلس تحدوهم قناعة بأن جهود جميع الأطراف المعنية ضرورية ليتسنى القيام ببناء مشترك لمجتمع قوي ومتضامن، يثمن العمل المنتج ويدمج الأشخاص والمجموعات الهشة، ويكافئ سلوك المخاطرة المنتجة والاستحقاق والجهد، ويضمن تكافؤ الفرص بين أفراده. 

كما أنه وعيا بحجم الانتظارات المعبر عنها داخل المجتمع المغربي، فإن المجلس الاقتصادي والاجتماعي يعتبر أن حماية كرامة الإنسان ينبغي أن تشكل مرتكزا للسياسات العمومية ومحركا لقواعد الديمقراطية الاجتماعية، وتتطلب هذه القواعد إرساء مبادئ الحوار والتشاور والتفاوض الحر والمسؤول بين كافة الفاعلين المشاركين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ووفق هذا المنظور يعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن اعتماد دستور فاتح يوليوز 2011 يشكل مكسبا لرفع التحديات التالية : 

– احترام سلطة القانون حيث التقت وجهات نظر مكونات المجلس، وكذا المنظمات التي تم الإنصات إليها حول واقع مفاده أنه إذا كان من الممكن تحسين الإطار التنظيمي والقانوني في المغرب، فإن هذا الإطار يحتاج بشكل خاص إلى تنفيذ فعلي وتطبيق محمي ومضمون من قبل قضاء مستقل ونزيه وإدارة ناجعة وشفافة؛ 

– تقليص الفوارق الاجتماعية والترابية: نظرا للشعور المتزايد بأن الجهود الرامية لتحقيق الإدماج في المجتمع المغربي تبقى غير كافية، فإن التصحيح الفعلي لهذه الفوارق أضحى ضرورة قصوى. 

– النهوض بالرفاه الاجتماعي: يتطلب هذا التحدي احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بدءا بحقوق الإنسان الأساسية، كما يستلزم توفير مناخ مؤسساتي واقتصادي يشجع المبادرة والاستثمار المنتج، والتعزيز الدائم لاستقطاب وتنافسية المقاولات وخدماتها ومنتجاتها. 

كما أنه في هاته الدراسة اختار المجلس الاقتصادي والاجتماعي اقتراح مرجعية دينامية تستهدف ترجمة ميثاق اجتماعي جديد، عوض اللجوء إلى وضع مدونة ثابتة تحدد مجموعة من الالتزامات المبدئية، وتتضمن هذه المرجعية ثلاثة عناصر متكاملة، يتعلق العنصر الأول بجرد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي يجب أن يحترمها الجميع باعتبارها شرطا للحفاظ على كرامة المواطنين، وضمان التماسك الاجتماعي وتحقيق التنمية المنسجمة والمستدامة، ويستعرض العنصر الثاني الأهداف الإجرائية التي تسمح بتجسيد المبادئ والحقوق المشار إليها في حين يحدد العنصر الثالث المؤشرات الضرورية لمتابعة تحقيق هذه الأهداف. 

كما تعتبر الدراسة إبرام تعاقدات الشراكة أمرا ضروريا لتفعيل الحقوق بشكل كامل وتجسيد الأهداف الواردة في هذه المرجعية، فكل حق وهدف من شأنه أن يفتح المجال لتعاقد أو مجموعة من التعاقدات الكبرى، وباعتباره ثمرة تفاوض حر بين المتعاقدين وتشاور موسع مع كافة الأطراف المعنية، يجب أن يحدد العقد طموحا مشتركا والتزامات متبادلة بين أطرافه، كما يجب أن يتضمن خطة عمل دقيقة وآليات تقييمية لنتائجه وانعكاساته، وينبغي التأكيد على أهمية مراعاة حقوق الفئات الهشة والمساواة بين الجنسين وعدم التمييز، ولتحقيق هذه الغاية، يجب الرجوع إلى الأهداف المعيارية الواردة في هذه المرجعية عند التفاوض وإبرام هذه التعاقدات. 

كما يمكن للتعاقدات الكبرى أن تأخذ شكل اتفاقيات جماعية أو شركات بين المشغلين والنقابات، أو بين المقاولات والجمعيات، أو بين الدولة والفاعلين الاجتماعيين، أو بين الجماعات الترابية والأطراف المعنية المتصلة بها، ويمكن لها أيضا أن تشكل إطارا للعمل التعاضدي والتعاوني، ولتطوير بنيات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وأنشطته، وكذا الابتكار الاجتماعي، في هذا الإطار اعتبرت الدراسة أن كل هدف من الأهداف المدرجة في هذه المرجعية، بشكل تراكمي أو منفصل، مؤهل ليصبح قوانين وقواعد. 

فالمقتضيات المعيارية لهذه المرجعية تشكل الحد الأدنى، وتعتبر مترابطة ومتكاملة وغير قابلة للتجزئة. 

كما أن هذه المرجعية بمثابة خطوط توجيهية لصياغة وتنفيذ وتقييم السياسات الاجتماعية، عمومية كانت أم خاصة، وذلك من أجل التشاور والحوار الاجتماعي والحوار المدني والتفاوض وإبرام التعاقدات الجماعية بين الفاعلين الذين يساهمون في تحقيق التماسك الاجتماعي وتنمية البلاد، كما تشكل دليلا لصياغة وتطبيق وتأويل القوانين والقواعد. 

وإذ يذكر المجلس بأن ضمان احترام القانون هو مسؤولية السلطات العمومية بالدرجة الأولى، فإنه يؤكد بأن النهوض بالمبادئ وتحقيق الأهداف المحددة لهذه المرجعية مسؤولية الجميع، وتتطلب هذه الدينامية الجديدة تعاونا بين جميع الأطراف المعنية في احترام تام لاستقلاليتها. 

كما يحث المجلس كل المؤسسات والمنظمات، حسب الوسائل المتوفرة لديها وفي مجال عملها ونطاق تأثيرها، على العمل على إدماج مبادئ وأهداف هذه المرجعية ضمن غاياتها وقراراتها وعملياتها و تقديم تقرير حول مدى تحقيقها. 

تتكون المرجعية المتميزة التي أعدها المجلس من تسعة وثلاثين (39) مبدأ وحقا أساسيا ملزما يتفرع عنها اثنان وتسعون (92) هدفا إجرائيا يستند إلى مائتين وخمسين (250) مؤشرا لتتبع التقدم المحرز، وقد تمت هيكلتها في ستة محاور متكاملة: 

1 – الولوج إلى الخدمات الأساسية والرفاه الاجتماعي 

2 – المعارف والتكوين والتنمية الثقافية 

3 – الإدماج وأشكال التضامن 

4 – الحوار الاجتماعي، والحوار المدني والشراكات المجددة 

5 – حماية البيئة 

6 – الحكامة المسؤولة، والتنمية والأمن الاقتصادي والديمقراطية الاجتماعية 

وترتكز المحاور الخمسة الأولى حول الحريات والحقوق الفردية والجماعية التي يمثل الاعتراف بها، وضمان ممارستها، والنهوض بها، القاعدة الضرورية للتماسك والتقدم الاجتماعي بالمغرب، ويتميز المحور السادس بطابع أفقي لكونه يستعرض الشروط والمسارات الكفيلة بتجسيد مقتضيات المرجعية من خلال تكريس الحكامة المسؤولة، والتنمية والأمن الاقتصادي، والديمقراطية الاجتماعية. 

هاته بعض من الأولويات التي بجب الخوض فيها لأنها استثمار في المجتمع واستثمار في التنمية والتنمية المستدامة التي عليها مستقبل البلاد والعباد، وهاته هي النوع من المجالس التي نحن في حاجة إليها لتوليد الأفكار الهادفة والمقترحات التنموية النبيلة ليتدخل المشرع بعد ذلك ويصوغها في قوانين وقواعد ملزمة، وهاته هي أولوية الأولويات التي يجب الخوض فيها في دول كمصر وكتونس بدل الخوض في متاهات كالزج بالدين في السياسة والسياسة في الدين، فذلك خطر على الدين وخطر على السياسة..

ويدخل في هذا السياق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية السعودية مؤخرا، عن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله وولي العهد الأمير سلمان، قولهما، أن السعودية “لن تسمح أبدا بأن يستغل الدين لباسا يتوارى خلفه المتطرفون والعابثون والطامحون لمصالحهم الخاصة، متنطعين ومغالين ومسيئين لصورة الإسلام العظيمة بممارساتهم المكشوفة وتأويلاتهم المرفوضة”.

الإسلام بخير والمسلمون بخير الذي ينقصنا في العديد من الأوطان العربية هو خلق أدوات التسيير الصحيحة للإبداع والابتكار في مجال تسيير الشأن العام لتحقيق التنمية والوصول إلى مدارج الكمال حتى نحقق ثقافة النحل في الإنتاج الاقتصادي المثمر. هذا هو المطلوب. 

——————————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودبة

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*