السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » اللهَ اللهَ أن نُخدَعَ.. وشهد شاهد من أهلها

اللهَ اللهَ أن نُخدَعَ.. وشهد شاهد من أهلها

عجبي شديد من هؤلاء الذين بيننا ويظنون أن (كل فرنجي برنجي) حسب التعبير العامي الشائع الذي يعني أن كل ما يجيء من بلاد الفرنجة جميل وسديد.

أناشد الدول العربية أن تتيح الفرصة وتقدم ما هو مطلوب ليثمر العقل العلمي العربي هنا في بلادنا العربية، وتوفر لهم من الحوافز ما به تتحقق ثمار نبوغهم حتى لا يضطروا إلى الهجرة؛ ولنعمل جاهدين على الاستمرار في التطوير والتحديث في تعليمنا العام والجامعي حتى لا يفوتنا يوماً ركب التقدم، شريطة أن تكون لغتنا العربية هي لسان حاله.

لم أدَّع يوماً من الأيام أن تعليمنا كامل أو قريب من الكمال ولكني في الوقت نفسه لا أرى أن الحل يكمن في أن نتبنى التعليم بلغة أجنبية غير، لغتنا، وبمناهج متطابقة مع مناهج غيرنا، ولقد تحدثت عن الأنموذج الأمريكي مثالاً على أوجه القصور كما ورد في شهادة أحد أبرز الممارسين القياديين التربويين في الولايات المتحدة الأمريكية وهو (رودي كرو) الذي يقول في مؤلفه الذي أشرت إليه سابقاً:

(إن ضياع الأجيال من أيدينا مسألة أهم بكثير من مشكلاتنا الاقتصادية، لأنها تجرح حقيقة هويتنا الوطنية. لقد شاهدنا في التلفزيون مقدم أحد البرامج يذهب إلى أحد مراكز التسوق، ويسأل الشباب: ما اسم نائب رئيس الجمهورية؟ من هو أول رئيس أمريكي؟ ما هي عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية؟ والمصيبة لا أحد يعرف الجواب!!

ويضحك النظارة في الأستديو!! لماذا يضحكون؟ ولو أن مقدم البرنامج سألهم الأسئلة نفسها لما عرفوا الإجابة عنها!! إنهم يضحكون (مع) هؤلاء الشباب ولا يضحكون (عليهم)!!

ويتساءل:

أين نحن؟ وإلى أين يجب أن نسير؟

ها هو يشرح حيرته، ويعبر عن دهشته، ويتحدث عن ممارسات بين طلاب المدارس غير لائقة، ويذكر أن معهد (جوزي فوس) أجرى بحثاً أظهر أن 60% من الطلاب الذين تم استطلاعهم اعترفوا بأنهم غشوا في اختبار السنة السابقة، واعترف أكثر من 35% منهم أنهم غشوا مرتين، وثلثهم نقلوا من الإنترنت، و62% اعترفوا بأنهم كذبوا على الأستاذ في أشياء مهمة!! ويمضي في القول: إن قيماً عظيمة تشبث بها الأقدمون فنجحوا في حياتهم، وحققوا فوزاً لبلادهم قد فقدت في الوقت الحاضر.

من غير المدهش أن يكون أطفالنا ضائعين عندما تكون المدارس ضائعة!! إن المدرسة يجب أن تكون مكاناً لمساعدة الأطفال على دخول العالم الذي يحيط بهم؛ ليتمكنوا من بناء الثقة بأنفسهم، ومضاعفة جهودهم، والالتزام بممارسة ما عليهم القيام به. لكن المشاهد اليوم هو أن المدارس بأنظمتها ومناهجها الدراسية بدلاً من أن توضح الأمور للأطفال صارت موضعاً للإرباك!!

وقد يثور سؤال:هل تنحو المدارس نحو التعليم الحقيقي، أم هي مهتمة فقط ومشغولة بالاختبارات بدلاً من تنمية التوجه الحقيقي لقضايا الحياة الراهنة والتهيئة لمواجهتها؟ أي: بدلاً من تعليم الطلاب كيف يعيشون بنجاح؟

لقد أصبحت سبل التربية والتعليم العام فارغة المحتوى، وأضحت عملاً بلا جدوى، وصار الأطفال يذهبون ويرجعون دون الحصول على شيء مفيد، لا شيء في المدارس غير تلقي الأوامر والنواهي، واليأس من الإضافة والتجديد، وصارت اجتماعات الآباء محاولات لتيسير الأمور إلى حين خروج الأبناء من ذلك النظام!!

ويؤكد (رودى كرو) قائلاً: لدي شعور بأن “كارثة التعليم العام الأمريكي” ستجد الحل، ولكن ذلك لا يعني الترميم والترقيع، فقد فات الأوان بدخولنا عصر الاقتصاد العالمي الذي يعيد تشكيل حياتنا شئنا أم أبينا.

إننا في أعماق قلوبنا نحس بأننا في حاجة إلى تغيير نظامنا التعليمي إلى مفاهيم أعمق من مجرد اعتماد أنظمة القراءة الجديدة، وتقليل عدد الطلاب في الفصول الدراسية، إنه لأمر مخيف جداً أن الرؤية الجديدة للتعليم العام لم تتبلور بعد، ومازلنا نتساءل: كيف ستعمل مدارسنا على إعدادنا لنواجه المستقبل بقوة وعزيمة وإبداع؟!

إننا لسنا في حاجة إلى إجراءات إصلاحية محدودة بل إلى رؤية عميقة تهدف إلى جعل نظامنا التعليمي أداة لصنع المستقبل المشرّف وفق استراتيجية عملية واضحة تبين النتائج، وأن نواصل السير إلى محو الجهل والأمية واليأس، ونؤمن بأن مثل هذا المسار من شأنه أن يقود إلى تحقيق الغايات المنشودة؛ فإن قوة الأمة بقوة أبنائها.

ثم يتساءل قائلاً: ماذا فعلنا نحن بوصفنا أمة حتى الآن؟

تذكروا أن القانون الأمريكي الذي أطلق عليه (لا طفل يترك بالخلف) مضى على إقراره سنوات عدة، وقد حقق نجاحات محدودة، ولكن ما هو ترتيبنا في التعليم بين دول العالم؟

تقرير المجلس الأمريكي للإحصاء التعليمي بيّن أن طلاب الصف الرابع الابتدائي في المدارس الأمريكية كان ترتيبهم (12) في العالم في الرياضيات (وقد جاؤوا بعد دول تعلم أطفالها بلغاتها القومية غير الإنجليزية مثل: (لاتيفيا، والمجر) وأن طلاب الصف الثامن (ثاني متوسط) جاء ترتيبهم الخامس عشر بعد دول تعلم أطفالها بلغاتها القومية مثل: (ماليزيا وسلوفاكيا)، وعند وصولهم إلى الصف العاشر (أول ثانوي) فإن ترتيبهم يكون الرابع والعشرين عالمياً!! أما وضع طلابنا في مادة العلوم فقد كان مفاجأة أسوأ حسبما جاء في تقرير التقويم الوطني لتطوير التعليم، فعلى سبيل المثال فإن 78% من طلاب الصف الثامن (ثاني متوسط) في مدارس مدينة لوس أنجلس لم يبلغوا (الحد الأدنى) من الفهم في مادة العلوم.

ويمضي المؤلف قائلاً:

(“إن تحسين مستويات الأداء التعليمي تتطلب تضافر الجهود على كل المستويات: من المفكرين ورجال الأعمال، والمعلمين، والاتحادات، وغيرها لنستطيع رسم المسار الصحيح لمدارسنا ومواصلة الجهود التي سبقنا إليها من قاموا ببناء المدارس ووضعوا اللبنات التي لابد من الإضافة عليها من جميع الزوايا، وعلى رأسها المضامين والمحتوى والتوجه الصحيح نحو المستقبل”.

وبعد هذا القول الصادق والصريح لأحد كبار رجال التربية والتعليم في الولايات المتحدة الأمريكية أجد من الواجب توضيح الآتي:

أن الجامعات الأمريكية المرموقة لا تقبل من الطلاب المتقدمين إليها إلا المبرزين ممن أنهوا المرحلة الثانوية، والذين يمثلون نسبة لا تتعدى 30% من مجموع الخريجين، وأن تلك الجامعات لا يرقى الشك إلى مستوى برامجها ومناهجها، وأن معظمها يخصص عاماً دراسياً كاملاً لتهيئ طلابها للدراسة الجامعية (وهذا ما يسمى في جامعاتنا السنة التحضيرية).

ليس غرضي على الإطلاق – كما أشرت من قبل – التشهير بنظام تعليمي، لكني رغبت في توضيح الحقيقة لمن يحرص على معرفتها.

إن مؤلف هذا الكتاب مسؤول تربوي مجرب وممارس، ولا أحد يشك في مصداقية شهادته التي أبرزها في مؤلفه القيم.

إن التقدم الهائل في مجالات الحياة كافة الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية هو نتيجة: إبداع عباقرة يمثلون نسبة صغيرة من سكانها، وأكثرهم من أناس مبدعين هاجروا مؤخراً إليها.

لماذا لا تحتضن الدول العربية خاصة أبناءها العباقرة الذين أسهموا في التقدم العلمي في أمريكا خاصة، وغيرها من الدول الأوربية عامة، دون تحديد لأسماء عربية من عقول أبنائنا الذين شهدت لهم الدنيا بالنبوغ العلمي ممن ظهر نبوغهم خارج وطننا العربي؟

أناشد الدول العربية أن تتيح الفرصة وتقدم ما هو مطلوب ليثمر العقل العلمي العربي هنا في بلادنا العربية، وتوفر لهم من الحوافز ما به تتحقق ثمار نبوغهم حتى لا يضطروا إلى الهجرة؛ ولنعمل جاهدين على الاستمرار في التطوير والتحديث في تعليمنا العام والجامعي حتى لا يفوتنا يوماً ركب التقدم، شريطة أن تكون لغتنا العربية هي لسان حاله.

وفقنا الله جميعًا إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد..

———————-

نقلاً عن الرياض

-- محمد بن أحمد الرشيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*