الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بلدان "الربيع العربي" تنزلق نحو الفوضى .

بلدان "الربيع العربي" تنزلق نحو الفوضى .

قبل سقوط أنظمة ما بات يعرف بلدان “الربيع العربي” ، كان مواطنوها ينعمون بالأمن ما خلا من الجرائم والجنح الفردية العادية التي تحدث في كل بلدان العالم . وكانت مطالب المواطنين تتمحور حول الحرية والكرامة والشغل ولم تكن أبدا المسألة الأمنية من ضمن المطالب أو الشعارات التي رفعها المحتجون . 

ورغم ما تميزت به الأنظمة المنهارة في هذه البلدان من استبداد وفساد ، فإن أمن الوطن والمواطنين كان محصنا ومضمونا في حدوده القصوى ، إذ تميزت الأجهزة الأمنية والعسكرية بفاعليتها في مواجهة الجريمة المنظمة والإرهاب وحماية حدود الأوطان . 

ويحسب للأنظمة المنهارة أنها حافظت على أمن المواطنين كما حصنت ولاءهم للوطن وحافظت على وحدة النسيج المجتمعي ولُحْمته بعيدا عن القبلية أو المذهبية أو الطائفية المقيتة . كانت أنظمة بوليسية فعلا لكن أمّنت الأوطان من الانقسام والمواطنين من الاقتتال . 

بعد سقوطها ظهرت إيجابيات هذه الأنظمة بعدما كانت السلبيات هي الطاغية . وأدرك المواطنون أن “الثورة” أدخلتهم في متاهات وأنفاق مظلمة لا يرون لها آخر . 

فمن الاستقرار إلى الفوضى ، ومن الأمن إلى الاقتتال ، ومن الوحدة إلى الانقسام ، ومن الولاء للوطن إلى تعدد الولاءات ، ومن هيبة الدولة إلى فقدانها . لا دولة من دول “الربيع العربي” قطفت ثمار “الربيع” الموعود ، بل فقدت كل المكتسبات السياسية والحقوقية والأمنية ، والأخطر أنها فقدت لُحمتها الداخلية ووحدة الشعب بكل مكوناته . 

فقدت هذه الدول هيبتها ولم يعد حتى المواطن البسيط يشعر بوجود الدولة ويحس بالأمان في ظلها . كل هذه الدول تعيش أوضاعا مماثلة : 

انقسام المجتمع 

 اقتتال داخلي، 

مظاهرات واعتصامات ضد الحكومات القائمة

اغتيالات شتى

 انهيار اقتصادي  

هروب المستثمرين ورؤوس الأموال

 توقف السياحة عصب الاقتصاد

تغول التطرف والإرهاب وتزايد أنشطته ومخاطره .

 فوضى السلاح .

 عجز الدولة عن توفير الحد الأدنى من الأمن للمواطنين ومؤسسات الدولة ..

وما تعيشه مصر من أحداث متسارعة ومتصاعدة في خطورتها ومداها يدلل على انجرارها نحو الحرب الأهلية . فجماعة الإخوان هناك مصرة على إحراق مصر من أجل عودة مرسي إلى الحكم ، فباتت السلطة والكرسي أهم من الوطن والشعب .  

ومنذ بداية التهييء لمرحلة ما بعد مبارك هدد الإخوان بإحراق مصر إن لم يفوزوا بالانتخابات . وهاهم يحرقونها من أجل مرسي والكرسي ، ولم يعد حب الأوطان من الإيمان . 

بموازاة المواجهة المفتوحة والمسلحة بين الجيش والإخوان ، هناك مواجهات أخرى أخطر في سيناء بين الجيش والتنظيمات الإرهابية التي تفرض هيمنتها على المنطقة وكادت تعلنها إمارة إسلامية . 

ولا تقل خطورة عن هذه المواجهات وربما ستفوقها أشكال الاقتتال الهامشي الآن وقد يصير مركزيا ، بين المواطنين أنفسهم ، لا هم إخوان ولا هم إرهابيون ولا هم متحزبون . فقد  قتل 15 شخصا مساء الاثنين 29 يوليو الجاري ، بينهم 13 حرقا واختناقا اثر مشاجرة بين باعة جائلين وتجار في منطقة الأزهر في وسط القاهرة . 

وسبب هذه المواجهات التي قد تتحول إلى ظاهرة ، غياب الدولة وسقوط هيبتها ، وليس أخطر على الأمن من سقوط هيبة الدولة والقانون . 

والخطير في هذه المواجهة هو سماح المواطنين لأنفسهم باستعمال السلاح ضد بعضهم البعض في نزاعات بسيطة حول استغلال الملك العمومي الذي من المفروض في الدولة أن تعمل على تنظيمه ، لكن حالة الفوضى التي تعيشها مصر وغيرها من الدول شجع على خرق القوانين وتجاوز اختصاصات الدولة ، بل والاعتداء على الدولة نفسها . 

وهكذا تزداد محن مصر وتتعقد ، ولا يختلف هذا الوضع في مصر عن مثيله في تونس حيث المظاهرات متسمرة وتؤججها موجة الاغتيالات التي تستهدف رموز النضال . 

ومن مكر الصدف أن المنتفضين ضد حكم بنعلي هم أول ضحايا انهيار نظامه وفي مقدمتهم شكري بلعيد ومحمد البراهمي . بالإضافة إلى الفقر الذي تعمّق مع تولي حركة النهضة الحكم في تونس انضاف إلى مشاكل التونسيين الإرهاب الذي يضرب المواطنين والجيش والأمن دون أن تنجح الحكومة في القضاء على العناصر الإرهابية المتحصنة في جبل الشعانبي ، ومنه تضع مخططاتها الإجرامية وتنفذها . 

وتدل المؤشرات المتوفرة عن الوضع الأمني أن تونس تعيد إنتاج تجربة الجزائر المريرة ضد الإرهاب والإرهابيين الذين لجأوا إلى الجبال لما توفره من كهوف ومغارات آمنة وصعوبة التحرك بالآليات العسكرية لمطاردة العناصر الإرهابية . 

فكما كان ولا زال إرهابيو الجزائر ينصبون الكمائن ويقتلون الجنود في المناطق الجبلية ، يعيد إرهابيو تونس تكرار التجربة حيث تمكنوا مساء الاثنين 29 يوليو من ارتكاب  مجزرة رهيبة في حق الجنود  قبل دقائق من أذان المغرب بمنطقة اسمها فج بوحسين من جبل الشعانبي.،  حيث نصب الإرهابيون كمينا لدورية عسكرية أنهت مهمة “تبديل” جنود بآخرين ، فعطلت سيارتهم بتفجير لغم ارضي   ثم وقع تبادل لإطلاق نار بين دورية الجيش والإرهابيين إلا أنّ الهجوم المباغت وإطلاق النار المكثف أدى إلى استشهاد 8 جنود  وجرح ستة آخرين إلى حد ألان ويتوقع أن يرتفع عدد الشهداء في الساعات القليلة القادمة.

 ولم يكتف الإرهابيون بقتل الجنود بالرصاص، بل عمدوا إلى ذبح المجروحين منهم من الوريد إلى الوريد تحت أصوات التكبير ، ثم جردوهم من الملابس والأسلحة . ستتكرر مثل هذه الكمائن وسيطور الإرهابيون طرقهم وأساليبهم إذا لم تتدارك تونس الوضع بوضع خطة أمنية صارمة ويجند عموم المواطنين ضد الإرهاب . 

لكن هذا يقتضي إنهاء حالة الاحتقان السياسي بسبب عجز الحكومة عن الاستجابة لمطالب المواطنين والمعارضة . إذ لم تتم بعد صياغة الدستور الذي يحظى بالتوافق بين الفاعلين السياسيين والمدنيين ، كما لم تقرر الحكومة تاريخ إجراء الانتخابات رغم مرور سنتين عن تحملها مسئولية إدارة البلاد . ولا يختلف الوضع في ليبيا عن الوضع في تونس ومصر . 

فليبيا باتت مقسمة عمليا بين القبائل والفصائل ولم يعد للدولة وجود إلى في الوثائق الرسمية . بل الدولة نفسها ومعها الحكومة صارتا رهينتين بيد المليشيات المسلحة التي تفرض نظامها على الحكومة ، حتى غدت الحكومة عاجزة حتى عن حماية مرافقها . 

كل قبيلة لها نظامها وسلاحها الثقيل ولم تعد بحاجة إلى الدولة لحمايتها . بل إن رموز الدولة وضباطها يتساقطون برصاص الاغتيال والسيارات المفخخة .  

لا شيء ينبئ بأن الأوضاع ستتغير نحو الفضل ، بل المعطيات الميدانية تفيد بمزيد من التعقيد والخطورة . طبعا “الثورات” التي تتحك فيها القوى الخارجية إعدادا وتخطيطا وتجييشا وتمويلا لا يمكنها بناء الأوطان وصنع الحرية وصيانة وحدة الشعب ، بل هي عامل تمزيق الوحدة وتقطيع أوصال الأوطان والشعوب . إنها “ثورات” التحكم عن بعد التي لا تريد لهذه الشعوب الاستقرار والنماء والكرامة . مخططات تدميرية منفذوها من أبناء الوطن الذين يخربون بيوتهم بأيديهم .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

التعليقات

  1. هذا التقرير فيه مواجهه للواقع المرير الذي تعيشه دول الربيع العربي ولكن من يستطيع ان يقدم اكثر من ذالك في تلك الدول فليتقدم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*