الخميس , 8 ديسمبر 2016

المثقفون الوطنيون

من إفرازات الحركات الشمولية والحزبية أن جعلت المثقف في حالة صدام دائم مع المجتمع والسلطة، وهذا دور مشوش وغير نافع للمثقف

الارتباط بالوطن هو شعور إنساني لا يستطيع أن ينفك منه، فمهما ترك الإنسان الأوطان فإن حنينه إليها يزداد مع البعاد، ويضنيه الشوق إليها في كل حال على قاعدة: “كم منزل في الأرض يعشقه الفتى، وحنينه أبدا لأول منزل”.. ولقد أعطانا النبي صلى الله عليه وسلم مثالا على ذلك التعلق بالوطن ومحبته، فهو يلتفت إليه بعد أن أخرجه قومه منه فيقول: “والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت”.. وكأني به عليه الصلاة والسلام يتحرق لإبعاده عن مرتع الصبا، وموئل القلوب، وأرض الله المباركة التي أجبر على تركها والإخراج منها، وهاهي عائشة رضي الله عنها تروي ما يجده بلال رضي الله عنه من محبة الأوطان فقالت: “لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنهما قالت فدخلت عليهما وقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلعت عنه يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل

قالت عائشة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حماها فاجعلها بالجحفة”. كما رواه الإمام البخاري في صحيحه.

إن الأوطان كماهي بحاجة إلى ساسة يديرون شؤونها، فهي بحاجة إلى كافة التخصصات والأعمال والمهن العملية والنظرية، وقد أعجبتني قصة ذكرها لي أحد الزملاء بأن رجلا قال لصاحب تاكسي في مصر: “ما شاء الله عليكم يا أهل مصر عندكم من الزبال إلى البروفيسور في الفيرياء النووية، فقال: نعم، بل حاجتنا إلى الزبال أعظم من حاجتنا إلى البروفيسور النووي، لأننا نستطيع أن نعيش بلا نووي، لكننا لا نستطيع العيش بلا زبال”!

والأوطان كذلك بحاجة إلى المثقف الوطني الذي يكون صوتا للوطن، يعمل ثقافته ووعيه بما يحقق صلاحه وفلاحه في كل شؤونه، غير متحيز إلى فئة دون فئة، يمثل صوته الجميع، ليست عنده الأمور إما ذات اليمين أو ذات الشمال، لا يسيس ثقافته بحيث يجعلها مطية للمناكدة أو الحشد العاطفي، ولا يبرر الأخطاء والتصرفات، فيجير ثقافته للدراسة العلمية والمعرفية لنصرة طرف على طرف، أو الدخول في حالة الصراع والاستقطاب الاثني الذي يحيل المثقف إلى سياسي، فتختلف حسابات هذا عن ذاك، وينتزع نفسه من جوه الحقيقي والمطلب الوطني الكبير.

لقد رسم في أذهاننا ردحا من الزمن أنك حتى تصبح مثقفا وطنيا فعليك أن تكون معارضا سياسيا، وهذا تصور خاطئ لمفهوم المثقف، فالعلاقة المتوترة بين المثقف والسلطة هي من إفرازات الحركات الشمولية والحزبية التي جعلت المثقف في حالة صدام دائم مع المجتمع والسلطة، وهذا دور مشوش وغير نافع للمثقف، إذ هو مع “العلم والمعرفة والعدل والإنصاف” أيا كان طريقه، وبأي اتجاه كان.

إن هذه الصورة التي ضربت على المثقف جعلته ينفر من إنصاف الحكومة بأي تصرف، وصار أسيرا لتلك الصورة النمطية التي أخرجته من دائرة المثقف الوطني النافع إلى المراوح السياسي الذي يهتم بحشد الأتباع، وكتم الحق، وترك الإنصاف في المواقف حتى لا يحشر في زاوية التصنيفات التي ترهبه عن دوره الوطني الكبير والحفاظ على مكتسباته، والذود عن العاديات التي تحاك ضده حتى لا يقال: جامي/ مطبل/ منتفع/ بوق/ وغيرها من الأوصاف التي يراد منها إلجاء المثقف لتبني رؤية محددة وهي في الغالب رؤية معارضة على طول الخط تضر بالوطن أكثر مما تنفع.

إن المثقف إذا تجرد للحق والحقيقة فلا يضيره بعد ذلك أن يكون في أي صف، وليس دوره الحكم على الأحوال والأشخاص، بل دوره النقد الهادف، ورسم الصورة الحقيقة عن الواقع بعيدا عن مبالغات المحبين، وقدح المبغضين، والمساهمة في طرح الحلول للمشكلات كافة بعيدا عن المزايدات السياسية التي أفسدت جو الثقافة والوعي والعلم والمعرفة.

هؤلاء المثقفون الوطنيون يحتاجون إلى مساحة أكبر للمساهمة في بناء الوطن وإصلاحه، وترك التردد في خوض غمار مواجهة من يريد التشويه والتعبئة ضد منجزات الوطن، وإبراز الصورة المشرقة له باعتباره حاضن الإسلام وقبلة المسلمين، وتشجيعهم على النقد الهادف الذي ينطلق من الولاء له وعدم التعالي عليه أوالانطلاق من إيديولوجيات معادية له، فزمن المتغيرات يوجب أن يكون للمثقف دور بارز فالزمن هذا هو زمن المثقف.

———————

نقلاً غن الوطن أونلاين

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*