الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الانتقام في الثورات العربية

الانتقام في الثورات العربية

الكثير ممن يرقب المشهد السياسي لما يسمى بالثورات والربيع العربي اليوم يلحظ ذلكم التخبط في الرؤية والخلل في الاستراتيجية التي ينتهجها البعض من أولئك.

ولعل من أبرز تلك المشاهد حالة الانتقام المغرقة التي أعلنها أولئك خصوصا تيارات الإسلام السياسي، وهي مفارقة عجيبة حيث إن أولئك المنتمين للإسلام السياسي هم أكثر الناس حديثا عن النصوص الشرعية والعودة والالتزام بالمبادئ الدينية التي يتحتم على المسلم الأخذ بها.

والتي تعتبر دلالاتها هامة في حياة المسلمين عموما والمبنية على المسامحة والعفو والصفح والتجاوز وعدم النزوع إلى الانتقام بأي حال.

ونرى أولئك أيضا هم أكثر الناس حفظا ودرسا للوقائع النبوية في ذلك والتي تكرس مفهوم التجاوز والصفح والعفو كما في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من كفار مكة حين أعلنها مدوية اذهبوا فأنتم الطلقاء مما يعكس روح التسامح والتجاوز لدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو بذلك يرسم منهجا لأمته في ذلك مع ما ناله صلى الله عليه وسلم من الأذى والحصار والسخرية هو وأصحابه بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام.

وهم كذلك يحفظون ويدركون ويعون موقفه صلى الله عليه وسلم من ثقيف حين رموه بالحجارة وأدموا عقبيه فجاء إليه ملك الجبال وقال لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين فرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا، وموقفه صلى الله عليه وسلم من عبدالله بن أبي بن سلول المنافق في المداراة وعدم قتله ومقولته صلى الله عليه وسلم الشهيرة أتريدون أن يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه.

ولا شك أن تلك الوقائع كانت غالبها مع كفار ومع ذلك صلى الله عليه وسلم كان منهجه الصفح والتجاوز والعفو وكثير من أولئك المنخرطين في تلك الأحزاب والعمل السياسي الإسلامي يعون ويدركون ذلك.

ومن هنا يطرح التساؤل لماذا يصر ويلح أولئك على مثل هذا الأمر فتجد جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحزب النهضة في تونس وبعض التيارات الإسلامية في ليبيا وغيرها على ضرورة الإقصاء والمحاكمة والسجن والتنكيل بجميع الخصوم بل تجاوز إلى كل من عمل في الأنظمة السابقة حتى ولو كانوا ممن كان لهم دور في إشعال فتيل الثورات.

إلا أن سوءتهم الكبرى التي شنع بها أولئك هي عملهم ولو لفترات يسيرة مع تلك الأنظمة حتى لو انقلبوا عليها.

وهي مفارقات عجيبة تتناقض تماما مع المبادئ الشرعية التي أشرت إليها آنفا وكذلك المبادئ الديمقراطية التي يتشدقون ويتغنون بها المبنية عندهم على الحرية والعدالة والتي من أولوياتها نظريا عدم الإقصاء أو تحميل الأوزار.

ولا شك أن معظم أسباب فشل تلك التجارب والتهاوي السريع لتلك الأحزاب وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين أنها لم تستطع أن تطبق مبادئها الشرعية التي ترتكن عليها ولا شعاراتها الديمقراطية التي تنادي بها بل على العكس أشغلت وأغرقت في معارك التشفي والانتقام والملاحقات والمحاكمات وهو بلا شك نظر قاصر يستدعي معه خسارة أفواج هائلة من النخب الإعلامية والقضائية والسياسية والاقتصادية.

وهو ما جعل جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحزب النهضة في تونس يستدعون خصوما لهم بدلا من كسب المؤيدين وتقليل أعداد المعارضين والمناكفين.

لقد كان من أجمل ما قاله الملك عبدالله للإخوة في اليمن عند لقائهم به في الرياض للتوقيع على المبادرة الخليجية هو أن الانقسام ليس سبيلا لبناء دولة أو أمة وقال بالنص:

«لا يدفعكم الماضي إلى متاهات الظلام» وتذكروا قول الله تعالى «عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام» وبالفعل فإن الإغراق في الانتقام هو سبيل مظلم إلى الهلاك بل والفوضى وسفك الدماء.

وما حال العراق عنا ببعيد!!

——————

نقلاً عن موقع الأمن الفكري

-- محمد بن عبدالله المشوح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*