الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مستقبل مصر .. والوثيقة السرية للإخوان المسلمين

مستقبل مصر .. والوثيقة السرية للإخوان المسلمين

لا يخفى على أي مراقب للمشهد السياسي في مصر، أن الوثيقة المسربة عن الاجتماع السري الذي عقده التنظيم العالمي للإخوان المسلمين في إسطنبول بتركيا، لوضع خطة التعامل مع الأوضاع في مصر، بعد نجاح الثورة الشعبية في إسقاط الرئيس محمد مرسى وإقصاء جماعة الإخوان المسلمين عن حكم مصر، تضمنت معلومات ومخططات وتهديدات ضمنية خطيرة أوردت على هيئة مخاوف أو مخاطر محتملة شديدة الخطورة على الأمن القومي المصري يقودها التنظيم الدولي، بالتنسيق مع مكتب الإرشاد بالقاهرة وجهات أجنبية مختلفة، ولوحت الوثيقة سلفا في تهديد شديد الوضوح بمخاطر عنف محتملة، باتت تمارس الآن في الشارع المصري من قبل أنصار الجماعة.

ذكرت الوثيقة أنها ستنتج عن ما يصرون على تسميته بـ«الانقلاب العسكري على الشرعية»، في مؤشر واضح على أن هذا العنف قد خطط له في إسطنبول وليس ردة فعل عفوية من الشارع المناهض للثورة، فقد أشارت الوثيقة إلى التخوف من «تضخم مشاعر الاضطهاد والظلم لدى قادة الجماعة وقواعدها، وإعادة إنتاج ظاهرة العودة إلى العمل السرى والعنف من خلال محاولات فردية لبعض أفراد الجماعة للانتقام.

وهذا يضعنا أمام إشكالية معقدة، وهى مدى القدرة على السيطرة على ردود أفعال التيار المؤيد والمتمسك بشرعية الدكتور مرسى، خصوصا على المستوى الأمني ومدى عدم تقبل نسبة كبيرة من شباب الإخوان بهذه النهاية أو انجرارهم إلى الفكر المتطرف، وربما العمل المسلح، خصوصا أن الجماعة ليست وحدها فى ميدان رابعة العدوية، بل معها جماعات وتوجهات إسلامية سلفية، وسيؤدى ذلك إلى ردات فعل متوقعة»، وهذا تهديد واضح بات يمارس الآن على الأرض.

وأشارت الوثيقة إلى التخوف من «حدوث تفاعلات تنظيمية حادة داخل الجماعة، ربما تصل إلى انشقاقات وتصدعات وانتقال مجموعات فيها من الحالة الأربكانية إلى الحالة الأردوغانية، بأن يخرج بعض شباب الجماعة الأكثر انفتاحا على التيارات السياسية الأخرى على قيادة الجماعة، ويرى أنها تسببت فى صدام مع الجيش والقوى السياسية الأخرى، وأن يقوم هذا الشباب بمراجعة صارمة للمرحلة السابقة من وجهة نظره ويعيد هيكلة علاقته بالأوساط السياسية، وربما الانشقاق والخروج عن الجماعة والتحالف مع التيارات الإسلامية الأخرى وتشكيل حزب سياسى ذى نزعة إسلامية على غرار التجربة التركية».

والنموذج التركي الذي تخوف منه المجتمعون في إسطنبول ــ من وجهة نظري ــ كان بالإمكان أن يتحقق لو أن الجيش تولى زمام العملية السياسية أو استمر في فرض نفسه وتكريسه لنزعة إلى الحكم أو إدارة البلاد، وهو ما قد يبدو قريبا في الحالة التركية، ولكني أرى أنه بعيد عن الحدوث في مصر؛ لأن الجيش أوضح تماما للمصريين أن دوره حماية وتأمين الشعب ومكافحة الجماعات الإرهابية التي تهدد أمن الوطن، وأن الجيش لن يكون حاضرا في المشهد السياسي أبدا، بينما في الحالة التركية الوضع مختلف.

فالجيش هناك أنقذ تركيا من الاحتلال والانهيار بعد الحرب العالمية الأولى، وعبر بالأتراك إلى الدولة الحديثة بأمان، ويعترف له المجتمع التركي بهذا الدور، ويعتبره الحارس الأمين للنظام الجمهوري ومبادئ العلمانية التي نشأ عليها، ومارس بذلك وصايته على الدولة، ونفذ أربعة انقلابات، وتغيرت ثلاثة دساتير في تحت حماية العسكر، أخطرها الذي مكن العسكر من الهيمنة على أجهزة الدولة، وبعدها بعام تراجع حزب السلطة في انتخابات برلمانية أمام حزب «الوطن الأم» الأكثر اعتدالا، ما أدى إلى تراجع دور العسكر، إلا أن رئيس الحكومة الجديد تورجوت أوزال ظل يعمل تحت وصاية العسكر حتى انتخب رئيسا للجمهورية عام 1989م.

واستعاد الإسلام السياسي حضوره في تركيا وفاز في الانتخابات البلدية عام 1994م بعد رفع الحظر عن الزعماء السياسيين بعام تمكن نجم الدين أربكان رئيس حزب الرفاه من رئاسة الحكومة عام 1979م، الأمر الذي دفع العسكر إلى إقصائه بالقوة، وهو ما بدا للبعض أنه السيناريو الأقرب للتكرار في مصر.

ولكن الوضعين مختلفين تماما كما أشرت في السابق، فبين عزل الشعب المصري بحماية العسكر للرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان وإقصاء العسكر التركي لأربكان، فارق كبير على الأقل فيما حدث بعدها في تركيا؛ حيث قام رفاق أربكان، ومنهم، بل وعلى رأسهم عبدالله جول ورجب أردوغان بتشكيل حزب جديد هو «العدالة والتنمية» عادوا فيه عام 2002م وبأغلبية كبيرة بجماعات الإسلام السياسي إلى السلطة، بل وسيطروا على مؤسسة الرئاسة والحكومة معا إلى اليوم.

 بينما في مصر يرفض الإخوان المشاركة في المشهد السياسي الجديد، ويتمسكون بعودة مرسي، ما يشير إلى خسارة فادحة قد تؤثر على مستقبل الجماعة بالكامل، ولن تنجح في تكرار نموذج هوجو تشافيز الذي أعاده الشارع إلى الحكم في فنزويلا بعد 48 ساعة من إقصائه عنه، كما أشارت الوثيقة.

ومن ناحية أخرى، يتخوف بعض المراقبين والمهتمين من أن يؤدي استمرار اعتصام الإخوان وأنصارهم في ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر، واستمرار نزيف الدم المصري، أن تتحول مصر إلى جزائر جديدة وتكرار سيناريو «العشرية السوداء» في تسعينيات القرن الماضي، عندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية المقاعد فى الانتخابات التشريعية عام 1991م، خلال رئاسة الشاذلي بن جديد للجزائر.

الفوز الذي شكل صدمة لقادة العسكر والأمن القابضين على السلطة والقرار منذ الاستقلال، واستقال بن جديد تحت ضغط العسكر عام 1992م، وتولى العسكر السلطة في اليوم نفسه، وصدر قرار ألغى نتائج الانتخابات، وحلت جبهة الإنقاذ واعتقل عشرون ألفا من أعضائها، وأودعوا السجون، وانطلقت شرارة العنف التي تفاقمت حتى حصدت أرواح قرابة ربع مليون جزائري.

ومن وجهة نظري أن هذا السيناريو بعيد جدا عن الحالة المصرية، لاعتبارات عدة مجتمعية وجغرافية وسياسية، فالإخوان المسلمين الذين حكموا مصر خلال العام المنصرم في إطار مؤسساتي نتج عن عملية انتخابية ــ وإن ركبوا على ثورة 25 يناير ــ يختلفون تماما عن الحركة الإسلامية حديثة النشأة في الجزائر ــ آنذاك، ولم يتوفر لها هذا الإطار، وكان الجيش وقوات الأمن يهيمنان على الدولة هناك.

بينما في الحالة المصرية الجيش والشرطة وقفا إلى جانب ثورة شعب خرج إلى شوارع وميادين مصر بملايين غفيرة في 30/6 ضد حكم الإخوان، وفي مصر أيضا سلم الجيش الحكم إلى سلطة مدنية ولم يستأثر بالحكم ودعا إلى انتخابات برلمانية ورئاسية وشكل لجنة لصياغة دستور جديد سيطرح للاستفتاء عليه، إضافة إلى أن طبيعة الجزائر الجغرافية ساهمت في الحالة الجزائرية في توفير ملاذ للمقاتلين الذين خاضوا حرب عصابات طويلة الأمد، وهو ما يختلف تماما عن طبيعة أرض مصر، ما يجعل العنف الممارس من أنصار جماعة الإخوان الآن محدودا وبالإمكان السيطرة عليه من قبل قوات الأمن والجيش، والمسألة مسألة وقت لا أكثر وإن تصاعدت وتيرة العنف لفترة من الزمن.

وأخطر السيناريوهات التي طرحتها وثيقة إسطنبول، هي استراتيجيات الضغط الدولي، والتي تتضمن الدعوة إلى تعليق عضوية مصر في المنظمات الدولية واللجوء إلى المحاكم الدولية، ورصد الموقف الدولي والإقليمي والتصعيد حسب التيقن من مدى قبوله لتصرفات العسكر وكيفية تعامله معه، وهل يعتبر تدخله ثورة شعبية أم عملية انقلابية، التركيز على العداوة التي ستنشأ مع الغرب إذا انحاز إلى الديكتاتورية، ودور الفكر المعتدل في استقرار أوضاع الجاليات المسلمة فيه، وهو ما بدأت جماعة الإخوان المسلمين بالتحرك باتجاهه ويشكل خطرا لا بد من التنبه له.

———————

نقلاً عن عكاظ 

-- محمد الحربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*