الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » في العراق.. حكومة الميليشيات لا تبني الدولة

في العراق.. حكومة الميليشيات لا تبني الدولة

كان من أبرز أهداف الغزو الانكلو أمريكي على العراق تفتيت مؤسسات الدولة وهدم ركائزها السياسية فقد اتفق (المندوب السامي الأمريكي) بول بريمر مع من رافق حملته العسكرية من السياسيين العراقيين أكراداً وأحزاباً مذهبية طائفية على ضرورة حل الجيش العراقي والمنظمات الاعلامية وإلغاء دور المنظومة الأمنية الاستخباراتية منها والقوى الأمنية الميدانية، كل هذا اتخذ كردة فعل انتقامية من الجيش ممن اشترك في جوقة مجلس الحكم الطائفي العرقي والذي بقراره هذا فتح حدود الدولة العراقية للارهاب وعصابات السلب والنهب والاغتيالات الانتقامية. 

وتوافقت الرغبة الإسرائيلية باضعاف قوى الردع العسكرية العراقية مع قادة الكتل الحزبية الشيعية الطائفية والمؤسسة العسكرية الكردية على انهاء تفاعل المؤسسة العسكرية العراقية وإضعاف قوتها الرادعة بعد تجربتهم القاسية معه في حملة الانفال وقمع الحركة الشعبانية التي قامت ضد النظام البعثي في عام 1991م والتي شملت الجنوب والشمال من القطر العراقي واتفقت قوى الاحتلال العسكري الأمريكي مع الكتل السياسية العميلة لها في تشكيل جيش مذهبي عرقي دمجت فيه الكثير من أعضاء الميليشيات المسلحة التابعة لتلك الأحزاب والكتل الطائفية تقديراً لمعارضتهم للنظام البعثي السابق، وأصبح جيشاً مشكلاً من طوائف مذهبية غير مدربة عسكرياً ولا تحمل أي خبرة أو معرفة سابقة بالعلوم العسكرية والانضباط المتدرج بين الرتب العسكرية؛ مما أدى إلى حالة ظاهرة بعدم الانسجام والقدرة العالية بين صفوف هذا الجيش الذي لا يميزه عن باقي المواطنين العاديين إلا أشكال البدل التي يرتدونها. 

واتجهت حكومة الميليشيات التي يرأسها نوري المالكي نحو العشائر العراقية والتي تشكل القاعدة والركيزة الأساسية للمجتمع العراقي باحتوائها والسيطرة على مفاتيح قوتها باغراء رؤوسها بالمنح والامتيازات المادية وتحريك الشعور الطائفي في أفكارها وتخويفها من عودة عهد صدام الذي أضعف نفوذها بسلطة الدولة والحزب، ولكن الارتفاع الذي بلغه رؤساء العشائر ضمن مؤسسات الاسناد الحكومي والتابعة لحزب الدعوة الحاكم تحول هبوطاً أخلاقياً ووطنياً أمام أبناء قبائلهم وطائفتهم التي لا ينطلي عليهم هذه الأساليب التي تعودت عليها من قبل حكومة المالكي الضعيفة! 

الشعب العراقي الصابر والذي يعيش تحت ظروف قاسية أمنياً ومعاشياً لم تقم له حكومة المالكي خلال دورتي حكمه والتي بلغت ثمانية أعوام إلا مزيداً من الفوضى الأمنية ومفخخات متفجرة يومياً واغتيالات بالأسلحة الكاتمة ودماء بريئة تسيل يومياً دون أن تحرك عامل المسؤولية لدى أعضاء هذه الحكومة الطائفية المتشبثة بكرسي الحكم ولو قتل أكثر أبناء الشعب العراقي والذي يصرخ يومياً من شدة ألم الوضع الأمني المتردي باستمرار ويطلب الأمن والأمان قبل الطعام والخدمات العامة. 

وسخرت حكومة المالكي أكثر من (مليون) منسوب في الشرطة الاتحادية وعسكرت الشارع العراقي بقوات المؤسسة العسكرية دون تحقيق نسبة ضئيلة من الأمن والسيطرة على صنوف الاجرام المتعددة والتي يشهدها المشهد العراقي يومياً مع تفشي ظاهرة جديدة على الشعب العراقي بتعاطي المخدرات القاتلة والمصدرة من عصابات إجرامية مصدرها الجارة الإسلامية إيران! 

دأبت حكومة الميليشيات الحزبيـة الطائفيــة بخلق الأزمات المتعــددة والمتواليـــة حين محاصرتها بالغضب الشعبي من سوء ادارتها وتفشي الفساد المالي والإداري وانعدام الخدمات العامة من توفير الطاقة الكهربائية والماء الصالح للشرب والنقص الظاهر في الخدمة العلاجية مع تزايد نسبة البطالة والفقر وللخروج من هذا المأزق لابد للحكومة من خلق أزمة سياسية مع معارضيها والتي تترجم إلى تحريك الفوضى الأمنية وارتفاع دخان المفخخات والانفجارات الارهابية الظالمة والتي تزهق أرواح الأبرياء من أبناء الشعب العراقي والذي رخص ثمنها في حسابات الحكومة الطائفية. 

من المضحك المبكي في المشهد السياسي العراقي ظاهرة تضخم الحراسة والحماية لرجال الحكومة حتى بلغت القوى الأمنية والعسكرية لحماية رئيس الوزراء أكثر من عشرة آلاف جندي والعديد من السيارات المصفحة وهو الذي يفاخر بأنه منتخب شعبياً ويحمي نفسه من شعبه بهذه القوى الأمنية الكثيفة ولا يستطيع التجوال بحرية بين شعبه ومواطنيه، وهذه الحالة الشاذة سارية على ممثلي الشعب ونوابه؛ فهم لا يستطيعون الظهور بين ناخبيهم دون حراسة مشددة خوفاً من مجهول اسمه القاعدة أو الصداميين أيتام العهد البعثي السابق وحصروا حياتهم الخاصة ضمن أسوار قلعتهم الخضراء.

ومن المظاهر السلبية لسيطرة الميليشيات الطائفية المسلحة على الوضع الأمني المتدهور في الشارع العراقي الاقتراع الغريب الذي أطلقه خطيب جمعة النجف صدر الدين القبانجي بتحويل الملف الأمني لمنظمة (بدر) الشيعية، والتي تأسست في ايران والممثلة للجناح العسكري للمجلس الأعلى الإسلامي لاستطاعتها، وحسب رأي القبانجي، من تحقيق الأمن والاستقرار في الشارع العراقي وأعلنت الكتل الإسلامية والسياسية الشريفة في المجتمع العراقي رفضها لهذا الاقتراح غير المقبول لتوجهه الطائفي. 

وقد أعلن اللواء الركن ناصر الغنام قائد الفرقة (17) استقالته من القوات المسلحة بسبب الفوضى الأمنية نتيجة لتضارب الأوامر الصادرة من مكتب القائد العام للقوات المسلحة والتي لا تهتم بالسلام الاجتماعي العراقي والاتجاه الطائفي لهذه الأوامر غير المسؤولة مع سيطرة الميليشيات على المؤسسات الحكومية. 

الشعب العراقي الشقيق يعيش حالة صعبة من القلق والخوف وسوداوية في النظرة المستقبلية لرسم صورة الدولة المنتظرة للعراق والمهدد بالانقسام والتفكيك الطائفي والعرقي، ويتطلع هذا الشعب الصابر لنجدة الله سبحانه ومن ثم تشكيل جبهة وطنية صادقة لا ترتبط بالولاء الاقليمي لإعادة العراق الموحد لموقعه الاقليمي العربي وتحقق للمواطنين اليائسين الأمل بالحياة الآمنة المزدهرة!! فهل يرى أبناء الشعب العراقي هذا اليوم المنتظر أم يبقى سراباً بعيداً؟ 

*عضو هيئة الصحفيين السعوديين – الهيئة التأسيسية للحوار التركي العربي 

—————————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبد الاله بن سعود السعدون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*