الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » القطبية .. ومنهج العنف التكفيري

القطبية .. ومنهج العنف التكفيري

الأصولية، وتحديدا «الأصولوية الإسلاموية»، تسعى إلى تطويع وتحريف واقتطاع معاني ودلالات النص (الأول) المقدس المتمثل في القرآن والثابت الدلالة في الحديث والسنة النبوية بصورة نفعية ومفارقة، وبغرض فرض وتوظيف قراءات وتصورات وتقييمات بشرية لذلك النص، باعتبارها تمثل الحقيقة الشاملة والمطلقة والنهائية للدين. 

حيث تأخذ صفة «الرؤية التمامية»، وهي بذلك ترفض كل ما عداها، الذي تدرجه خارج «الملة» ضمن خانة الإقصاء والتكفير والتفسيق، وصولا إلى استحلال العنف والقتل بوجه مخالفيهم، وفقا لمفهوم الفرقة الناجية، في ثنائية متطرفة (لا توسط بينهما) لفرض مفاهيمهم حول الحلال والحرام، الإيمان والكفر، النقل والعقل، حاكمية الله وحاكمية البشر.

على هذه الأرضية العقائدية الصارمة يرفضون كل ما أحرزته البشرية في مسيرتها الطويلة والممتدة من منجزات حضارية وإنسانية، على الأصعدة والمستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والمعرفية والعلمية، وقبل كل شيء العداء بشكل مطلق لمفهوم الدولة المدنية، وما يتصل بها من وجود دستور، حياة نيابية، والتداول السلمي للسلطة، وما يتطلبه من رفع القيود عن التكوينات والمنظمات النقابية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني، وضمان حرية الفكر والكتابة والتعبير، وترسيخ مفهوم المواطنة والمساواة الكاملة بين المكونات الاجتماعية، الدينية، المذهبية، والعرقية… 

المعروف بأن حسن البنا في بداية تأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين (1928) ركز على التبشير الدعوي والنشاط الخيري وبث الوازع الديني والأخلاقي بين صفوف جماعته و مريديه، غير أنه في مجرى تطور نشاط الجماعة وتصلب عودها وانتشارها بين فئات واسعة في المجتمع المصري، وخصوصا البرجوازية الصغيرة في الريف (الصعيد) والطبقة الوسطى في المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية وغيرهما أخذ يتبلور انخراط الإخوان المباشر في الشأن (السياسي) العام من خلال طرحهم العقائدي والأيديولوجي الجامد والمغلق.

ومشروعهم السياسي والفكري الشمولي الذي يتسم بإقصاء الآخر وبرفض الدولة المدنية وما يتصل بها من التعددية الحزبية والسياسية والفكرية والمذهبية وصولا إلى تكفير الدولة والمجتمع (الجاهلي)… 

وقد جاء في «مجموعة رسائل حسن البنا» ما يلي: «إن الإجماع قد اتفق على أن الأحزاب المصرية ــ باستثناء جماعة الإخوان بالطبع ــ هي سيئة الوطن الكبرى وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن» ، حيث يرى الحل في «أن تحل هذه الأحزاب جميعا وتجمع قوى الأمة في حزب واحد». وبالطبع سيكون هذا الحزب هو حزب «الإخوان المسلمين». 

ومع أن الشيخ البنا لا يرفض النظام البرلماني، غير أنه كما جاء في مجموعة رسائله، يشترط توفر شرطين مهمين هما، أولا: «بزوال الحزبية من النظام النيابي يصبح هذا النظام ليس بعيدا عن النظام الإسلامي ولا غريبا عنه»، أما شرطه الثاني فهو يستبطن احتقارا واستعلاء واضحين على الجماهير (العامة)، حيث يشترط أن تسفر الانتخابات عن اختيار نوع خاص من أهل الشورى ممن هم في نظره «يكونون إما من رجال الدين وإما من الرجال المتمرسين على القيادة مثل رؤساء العائلات والقبائل، ولا تكون الانتخابات بمقبولة إلا إذا أسفرت عن اختيار أناس من هذين الصنفين»..

هذه الأطروحات التعسفية جرى تطويرها و«تأصيلها» على يد سيد قطب ( 1906 ــ 1966) الذي يعتبر بحق منظر العنف والتكفيـر في جماعة الإخوان، وخصوصا في ثلاثيته «هذا الدين»، و«المستقبل لهذا الدين»، و«معالم على الطريق»، حيث يشير في هذا الكتاب الأخير إلى «أن الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات.. مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي» . 

والمجتمع الجاهلي يستند إلى «الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية، إنها تسند الحاكمية إلى البشر في صورة ادعاء حق وضع التصورات، القيم، الشرائع، القوانين، الأنظمة، والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة، وتتحقق الجاهلية كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام في الماضي والحاضر والمستقبل على حد سواء».. 

ولكل ذلك الجاهلية تسود جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا.. حتى تلك المجتمعات التي تنسب نفسها للإسلام، فهي ــ وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله ــ تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله فتدين بحاكمية غير الله.. فنحن وهذه الجاهلية على مفرق الطريق فإما إسلام وإما جاهلية».. 

وهو الذي يذكرنا بجملة وردت في كلام لحسن البنا أوردته في مقال سابق يقول فيها: «فإما ولاء وإما عداء»، ووفقا لهذا المنطق الكهنوتي، فإن الإخوان المسلمين وحدهم الجديرون بالقيادة والسلطة حتى تتحقق الحاكمية على أيديهم، باعتبارهم «الممثلين الشرعيين» للقانون الإلهي و«ظل الله» في أرضه.. سيد قطب أعدم في عام 1966 بعد اتهامه بترؤس تنظيم عسكري سري داخل الإخوان المسلمين، يستهدف الإطاحة بنظام عبدالناصر، غير أنه من رحم القطبية توالدت منظمات العنف في مصر والعالمين العربي والإسلامي.. في مصر ظهرت تنظيمات «الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» و«التكفير والهجرة».. وعلى ضفافها تشكلت عشرات المجموعات المتطرفة في البلدان العربية والإسلامية مثل «السلفية الجهادية» و«منظمة القاعدة» وغيرهما.. 

المأساة إن جماعة الإخوان المسلمين في مصر لا تزال تتحكم بها قيادات تنتمي إلى الخط القطبي/ المتطرف، في حين جرى محاصرة وتحجيم، بل وإبعاد القيادات المعتدلة، كما اضطر البعض للانسحاب، على غرار رئيس حزب مصر القوية الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح.. تحكم التيار القطبي المتشدد، سرع في ثورة الشعب المصري ضد حكمهم بعد مضي عام فقط على تسلمهم السلطة، والذي اتسم بالفشل الذريع على جميع الأصعدة والمستويات..

السؤال المطروح هنا: هل نحن بصدد رؤية نهاية سريعة للخطاب القطبي/ الإقصائي/ المتطرف، والمتأصل لدى إخوان مصر، والذي أثبتت التجربة فشله؟.

أم أن ذلك الخطاب سيقوى ويتصلب في ظل حال نكران الواقع الجديد الحاصل في مصر من قبل الإخوان وشعورهم العميق بالخيبة والهزيمة، وذلك عبر إعادة استحضار شعارات «المظلومية».. «الثأر».. «الشهادة» و«الشرعية»، كما هو الحال في محيط رابعة العدوية؟.

——————

نقلاً عن عكاظ 

-- أ. نجيب الخنيزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*