الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المشهد الأفغاني يزداد تعقيدا

المشهد الأفغاني يزداد تعقيدا

مع قرب انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان المقرر له نهاية عام 2014، ومع تردد أخبار عن احتمال تسريع الرئيس الأمريكي باراك أوباما عملية الانسحاب بسبب توتر العلاقة بينه وبين نظيره الأفغاني حميد كرازاي، بل أيضا احتمال أن ينكث أوباما بوعده حول إبقاء قوة صغيرة تضم نحو ثمانية آلاف جندي أمريكي في أفغانستان بعد 2014 في مقابل الـ 68 ألفا الموجودين هناك حاليا، تسود حالة من القلق العميق بلاد الأفغان وما يجاورها.

فواشنطن التي تدخلت بجيوشها في هذا البلد المأزوم أصلا في عام 2001 لإسقاط نظام طالبان الجائر، ومن قبل ذلك تدخلت فيه عبر تسليح وتمويل حركات الجهاد الأفغاني لإقلاق مضاجع جيوش الاحتلال السوفياتي، ففرقت وأججت الانقسامات القبلية والجهوية والعرقية، ذاهبة كما يبدو إلى ترك أفغانستان لمصير مجهول أسود، تماما مثلما فعلت في العراق، بدلا من أن تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية في ترتيب البيت الأفغاني على نحو تتعزز معه معالم الدولة المدنية الديمقراطية القادرة على البقاء والصمود أمام المتطرفين والجهاديين والإقصائيين من أصحاب فكرة الدولة الدينية المستبدة.

وإسلام أباد التي لها تاريخ طويل، عبر أذرعتها العسكرية والمخابراتية، في تفتيت بنية الدولة الأفغانية الهشة، وتأجيج الصراعات بين مكونات شعبها، والتدخل بالحق والباطل في شؤونها جهارا نهارا بحجة أن أفغانستان تمثل لها امتدادا طبيعيا وعمقا استراتيجيا ومجالا حيويا لجهة الصراع التاريخي الهندي ــــ الباكستاني، ما زالت تواصل تدخلاتها في هذا البلد، بل يعتري زعماءها نشوة الانتصار الزائف بقرب انسحاب الأمريكيين منه.

أما الأفغان المغلوبون على أمرهم الذين كانوا منذ نهاية الثمانينيات وقودا للحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، فليس لهم سوى الخوف من المجهول الذي ينتظرهم، خصوصا في ظل حكومتهم المنتخبة الضعيفة، وما تحيكه إدارة أوباما المتخبطة من صفقات من خلف ظهورهم مع بقايا حركة طالبان المقبورة التي انتشت آمالها بالعودة إلى السلطة في كابول مع فتح مكتب سياسي لها في الدوحة وموافقة الأمريكيين على الجلوس معها على طاولة واحدة، وهو ما اعتبره الطالبانيون دليلا على نفوذهم وعدم إمكانية تحقيق سلام دائم في أفغانستان من دونهم.

وليس أدل على مخاوف الأفغان مما صرح به أخيرا قائد الجيش الأفغاني الجنرال شير محمد كريمي في تصريح له لهيئة الإذاعة البريطانية من أن السلام يمكن تحقيقه في أفغانستان خلال أسابيع فقط لو أوقفت واشنطن سياساتها المترددة حيال بلاده، وأوقفت إسلام أباد دس أنفها في الشأن الأفغاني من خلال قطع دعمها للجماعات المتطرفة الحليفة لحركة طالبان المنطلقة من المناطق الحدودية الشمالية والشمالية الغربية لباكستان، ووقف انتقاداتها المتكررة لما تقوم به حليفتها الأمريكية من غارات على معاقل طالبان باكستان.

والحقيقة أنه إضافة إلى باكستان والولايات المتحدة هناك دولتان أخريان معنيتان بالوضع الأفغاني، وتحاولان أن تكون لهما كلمة في مستقبل هذه البلاد كونهما ستتضرران أمنيا من عودة فلول طالبان إلى السلطة في كابول، ناهيك عن خسارتهما ما قامتا به من استثمارات معتبرة في أفغانستان منذ عام 2001.

فهناك الهند التي استثمرت كثيرا في أفغانستان بُعيد سقوط نظام طالبان الذي سبب لها كابوسا مزعجا، كنتيجة لما قدمه من دعم مادي ولوجستي للتنظيمات الجهادية العاملة في ولاية كشمير المتنازع عليها ما بين الهند وباكستان منذ عام 1947. حيث رأت نيودلهي أن دعم نظام الرئيس حميد كرازاي بالأموال والاستثمارات والمشاريع المشتركة وتنفيذ مشروعات البنية التحتية هو صمام الأمان ضد عودة المتشددين الطالبانيين وأتباعهم إلى الحكم، والوسيلة المثلى لتعزيز نظام مدني قوي مستقر يجمع عليه الأفغان، خصوصا أن وجود مثل هذا النظام يسهل للهند استخدام الأراضي الأفغانية معبرا آمنا في اتجاه دول آسيا الوسطى الغنية بالموارد الطبيعية. وهكذا تعهدت الهند في عام 2006 بإنفاق ملياري دولار على بناء وتطوير شبكات الطرق والنقل والخدمات الصحية الأفغانية، ثم أتبعت ذلك باستثمار أكثر من عشرة مليارات دولار في إقامة مشاريع الطاقة والمياه واستغلال المناجم. وبطبيعة الحال فقد رأى الباكستانيون في هذه التطورات تهديدا لمصالحهم في أفغانستان، الأمر الذي دفعهم للتصدي لها عبر تصدير المزيد من العنف إلى جارتهم الأفغانية.

وهناك الصين التي تشترك في حدود قصيرة مع أفغانستان في الغرب متاخمة لإقليمها المضطرب المعروف بـ ”تركستان الشرقية”، حيث يسعى سكانها وجلهم من مسلمي الإيغور، إلى الانفصال في وطن مستقل. والمعروف أن بكين رحبت في البداية بوصول طالبان إلى السلطة في عام 1996 بعدما أقنعها حلفاؤها الباكستانيون بفوائد ذلك لجهة الصراع الصيني ــــ الهندي، بل قامت إسلام أباد بترتيب لقاء نادر ما بين السفير الصيني في باكستان وزعيم طالبان الملا محمد عمر الذي كان يمانع في الالتقاء بمسؤولين أجانب باعتبارهم كفارا لا يجوز الجلوس معهم. لكن بكين سرعان ما اكتشفت أنها ساهمت أو سهلت عملية زرع نظام إرهابي متطرف على حدودها الغربية مع أفغانستان، لا يكف عن تقديم الدعم والإيواء والتدريب والسلاح للانفصاليين الإيغور.

وعليه، فإنه من الطبيعي أن نجد بكين اليوم حائرة ما بين مخططات حليفتها الباكستانية الداعمة لبقايا طالبان، وسعي منافستها الهندية للحيولة دون سقوط نظام حميد كرازاي.

غير أن الصينيين المعروفين بالبراغماتية، وقراءة المشهد السياسي قراءة متأنية قبل اتخاذ أي قرار، وسعيهم الدائم لتغليب مصالحهم الخاصة على أي اعتبارات أخرى قد يجدون أن الأمر الأصوب فيما يتعلق بالمأزق الأفغاني هو التزام سياسة ذات بعدين: أولهما الضغط على باكستانيين، من خلال ما يملكونه من دالة عليهم ونفوذ متشعب في بلادهم، للجمهم ومنع إقدامهم على حماقات تؤزم الموقف في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأمريكية منها، وثانيهما ما التعاون مع الهند للحفاظ على قدر من الأمن والاستقرار في تلك البلاد، وبما يحفظ مصالحهما واستثماراتهما فيها معا، خصوصا أن الصين، كما الهند، التزمت بإنفاق ثلاثة ملايين دولار على تطوير مناجم النحاس الأحمر الأفغانية في إقليم لوغار إلى الجنوب من كابول، وأنفقت بالفعل حتى الآن ما يساوي 800 مليون دولار على هذا المشروع الحيوي.

ويرى المراقبون أن الموقف الصيني حول مستقبل أفغانستان صار أقرب إلى الموقف الهندي بعد سلسلة من الأعمال الإرهابية التي وقعت في حزيران (يونيو) الماضي على يد متشددين طلبانيين داخل الجزء الباكستاني من كشمير وراح ضحيتها عدد من السياح الصينيين.

————–

نقلا ً عن الاقتصادية

-- د. عبد الله المدني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*