الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أما آن لِلْفكر المُتَوتِّر أن يَرْبَع على نَفْسِه ..!

أما آن لِلْفكر المُتَوتِّر أن يَرْبَع على نَفْسِه ..!

قد يُعاب حاضُرنا بما هو عليه من تَشَرْذم في الفكر، واحْتِدامٍ في المشاعر، وتنافر في القلوب، وارتياب في الأنفس. ويُضْرب المثل بما مضى من زمن كان الناس فيه أمة واحدة. وهذا الصنف العائب معه شَطْرُ الحقيقة، إذا عَمَّم رؤيته، ولم يقصرها على الواقع المَحَلِّي. 

على أنّ الإشكالية ليست في ظاهرة الاختلاف، وإنما هي في إدارته، وفي تقحم غير المؤهلين للجدل، و في الجسارة عند التعاطي مع القضايا المصيريَّة، دون أهلية تُخَول المُتَقحِّم، وتَمْنَحه حق البت فيما هو احتمالي، وليس قطعياً. وفوق هذه الإشكاليات يأتي الاحتقان، والإقصاء، والقطع بأنّ المخالف يمارس الخطأ الذي لا يحتمل الصواب، وأنّ الذات المتضخّمة تمارس الصواب الذي لا يحتمل الخطأ. 

وهنا يجب أن تُسْتَحْضر مقولة [الشافعي]:- [قولُنا صوابٌ يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب] . وهذا الاستحضار يستدعي ملابسات الموقف، فـ[الشافعي] بعلمه الغزير، وتأصيله الدقيق، واتساع أفقه للمخالف، يمتلك الحق في مثل هذه المقولة . تماماً مثلما تُقْبل مقولة : نحن رجال، وهم رجال، ممن يملكون النِّدِّية . 

فالعلماء الكبار، يتوفّرون على شرط الاجتهاد، وهم مأجورون حين يخطئون، أو حين يصيبون . إذ ليس كل مجتهد مأجور، فكم من مقتحم لمضايق الاجتهاد، وهو صفر اليدين من العلم، والفهم، وفقه الواقع. وداء الأمة من أنصاف الأطباء، وأنصاف المتعلمين . 

وليس ببعيد أن نكون في زمن الرويبضات التي خُوِّفْنا من نُطْقها . 

وقراءة التاريخ المحلِّي الحديث، تكشف لنا عن منعطفات حَسَّاسة، لم يجتازها المعنيّون إلاّ بثمن باهظ. ويكفى أن نستعيد مشكلة (الإخوان ) في زمن الملك عبد العزيز – رحمه الله – ومحاولاته الجادة، والصادقة لاحتوائها، وتجاوزها بأقل الخسائر، غير أنه لم يَحْسمها إلاّ بمواجهة حربية، ولما تزل لها ذيولها التي تنبعث بين الحين والآخر، من متطرّفين لا يَقْبل بهم الجمهور، ولا يقبلون به. وحسم المشكلة عسكرياً جَعَل بعض الجيوب ترم على فساد، ولكن حكمة الملك عبد العزيز، وبُعد نظره، وتسامحه، وقدرته الفائقة على الاحتواء، وتجاوز المنعطفات الخطيرة أعادت الأمور إلى مجاريها . ومن ثم لم تَمْض أربع سنوات على أخطر فتنة داخليه إلاّ وقد تم إعلان توحيد أقاليم المملكة تحت مسمّى [المملكة العربية السعودية]. 

والتصدُّعات الفكرية التي أعقبت تلك الفتنة ظلّت فردية، و كامنة في النفوس، ومن اليسير السيطرة عليها، واحتواء ذيولها . وكم بدت من بعض العلماء، والأدباء، والمفكرين، والإعلاميين تجاوزات تخطّت رؤية المؤسسة الدينية، أشار إلى بعضها بعض كتّاب [السير الذاتية] . أمثال [الجاسر ] و[ابن إدريس]، ولكن سرعان ما يتم احتواء الموقف، وحسم المشكلة، دون امتدادات مخلّة بالأمن، أو مؤثرة على الوحدة الفكرية . 

فالاختلاف قائم ومتوقّع، ولا يمكن تصوُّر حسمه . والمصلحون والصالحون قد يفقدون السيطرة على بعض المواقف، ولكن السلطة: السياسية، والدينية تبادر تلك المواقف قبل تخطيها نطاق السيطرة. والمتابعون يعرفون مثل هذه الفلتات الفردية. نذكر منها على سبيل المثال مشكلة (القصيمي) وكتابه الذي أثار الرأي العام (هذه هي الأغلال ) لقد كان بالإمكان احتواء الموقف، والحيلولة دون تمادي (القصيمي) في الغي، ولكن عنف المواجهة عَمَّق الخلاف، وزاد من نفور (القصيمي) . 

أما مشكلة (اقتحام الحرم) فشيء آخر، فوجئ به المشهد العلمي، والديني . والغريب في الأمر أنّ مثل هذه الإزعاجات تمر بالبلاد، ثم لا تلبث أن تخبو دون آثار جانبية. 

أما اليوم فالأمر مختلف جداً، فالتنازع المخيف ينبعث من كل زاوية، وكل كاتب يرى أنه أمة وحْدَه، وأنه أحق برسم خارطة الطريق للأمة . والمؤسسات المعنية بضبط الإيقاع كـ[خراش] الذي تكاثرت عليه الطرائد، فما يدري ما يصيد . 

ومما يزيد في استحكام حلقات الإشكاليات ذلك التوتر غير المبرّر، واستفحال مفهوم : إنْ لم تكن معي فأنت ضدي . وسلب المخالف أبسط حقوقه، والقول في حقه بدون تثبُّت، والاحتقان، والارتياب، والخوض في الثوابت، والمسلّمات . وتلك من الظواهر السيئة التي صَدَّعت وحدة الأمة الفكرية، ورفعت درجة الحساسية . 

ولما كانت السياسة تقوم على المصالح، والدين يقوم على المبادئ والمواقف، أصبحت الإشكالية أشَدَّ استحالة. 

فالمتديِّن يريد إيقاف عجلة التغيير السياسي . والسياسي يُريد أن يعصف بالمبادئ والمواقف،وكلٌّ يدّعي أنه الأحق بإدارة الكون . 

والتوفيق بين السياسي، والديني ممكن، ولكن الأطراف تبحث عن الانتصار، والأثرة، ولا تهتم بالحق، ولا يسعدها أن يجري الله الحق على لِسانِ غيرها . 

ولما كانت بلاد الحرمين تمتلك مثمّنات حسِّية، ومعنوية، ومنجزات حضارية ، وتنعم بالأمن، والاستقرار، والرخاء . وجَبَ على كافة أطيافها أن يَسُودهم ميثاق شرف، لا يجوز تخطّيه تحت أي ظرف. 

دعونا نجادل، ولكن دون احتقان، أو توتر. ودعونا نحاور، ولكن دون اتهام، أو تصنيف . ودعونا نفكر في شأننا كله، ولكن دون صدام، أو صراع . ومن يُحِبُّ الخير للبلاد والعباد لا بُدَّ له من شعرة معاوية عند الجذب والإرخاء، ومن يُحِبُّ اللهَ فعليه أن يتبع الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ليحبه الله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31]، وليس شرطاً أن تكون التبعيّة للرسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبطة برؤية فلان من الناس. 

فالصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا فيما بينهم، واختلفوا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – . ولكن المصلحة العليا تمثِل ميثاق الشرف الذي ننشده، ومن ثم تتدخل في الوقت المناسب، لتفك الاشتباك، وتعيد الأمور إلى مسارها الطبيعي . إنّ الفكر المتوتر لا يمكن أن يحسم المواقف لصالح الجماعة، والفكر المرتاب المتردّد الشكوكي يفرق كلمة الأمة، ولا يزيدها إلاّ خبالاً، والمؤسف أنه هو السَّائد. 

لقد توتّرت العلاقة بين [العروبة ] و[الإسلام ] وأصبح القوميون العرب يؤصلون لوجودهم بنفي الإسلام . ولو أنهم واءموا بين تلك الثنائية المتلازمة، لكان خيراً لهم . إذ لا عروبة بدون الإسلام، ولا إسلام بدون العروبة . 

وفي ظل هذا التنازع تفرّقت السبل بـ[طه حسين] و[ساطع الحصري ] و[ميشيل عفلق ] و[قسطنطين زريق ]. وعلى الرغم من وعي أولئك لرؤيتهم، إلاّ أنهم لم يتمكنوا من استغلال القواسم المشتركة، ليتخطّوا بالأمة محنة التشرذم التي فتحت شهية القوى الاستعمارية، لاستغلال الوهن والحزن الذي يجتاح عالمنا . ومثلما امتحنت الأمة بتنازع العروبة والإسلام جاء ما هو أدهى وأمر . فالعلمانية، و[الديمقراطية] و[الليبرالية] دعوات أدارت الرؤوس، وصَدَّعت وحدة الأمة، وأذاقتها لباس الذل و الهوان . فيما لم تتهيأ أجواء الأمة لأيّ دعوة من تلك الدعوات، ذلك أنّ الإسلام كامن في الفطر السليمة، وليس من السهل اجتثاثه . والمتعلّقون بتلك المبادئ يرون أنها لا تكون في ظل الإسلام، مع أنه بالإمكان استغلال القواسم المشتركة، وترك الرأي العام دون إثارة لمشاعره، و[لو ترك القطا لنام ]. 

شمولية الإسلام، وعالميته قادرتان على التفاعل مع تلك التيارات السياسية الحديثة، ولو أنّ دُعاة القومية أو[الليبرالية] أعطوا الإسلام حقّ الوجود الكريم، وتفاعلوا مع ذويه لكان خيراً للجميع . 

إنّ علينا – وقد نَجَّانا الله من الانقلابات العسكرية، والثورات الشعبية – أن نتصالح مع أنفسنا. 

وكيف لا يتأتى ذلك ؟. والبعض من أمتنا العربية تَصَالَح مع أَعْدائِه المُغْتَصبين، دافعاً بالتي هي أحسن، بحيث استطاع أن يأخذ نَفَسَه، وأن يفكر بذاته، وأن يدفع عن عشيرته غوائل الدهر. 

إنّ على كافة المفكرين أن يدركوا أنّ الإسلام قضية أزلية، ومن ثم عليهم أن يعيدوا قراءته من جديد، ليواكب المرحلة المُعَقَّدة، وكيف لا يتأتى ذلك، والرسول – صلى الله عليه وسلم – بَشَّر بالمبْعُوث على رأس كل مائة سنة، كي يُجَدِّد للأمة أمر دينها . 

فليحقق المفكرون هذه البشارة، وليعيدوا النظر في رؤاهم، وتصوُّراتهم، ولا يجعلوا الإسلام عقبة في طريقهم، وهو الأقدر على استيعاب المستجدات. وفشل المشاريع السياسية الإسلامية، لا يعود إليه، وإنما يعود إلى ذويه الذين لم يحسنوا إدارة الأزمات من خلاله . وحين نختلف مع حزب، أو طائفة ترفع شعار الإسلام، فإنّ من واجبنا استلال الإسلام من الصراع، كما تسلّ الشعرة من العجين . ذلك أنّ الإسلام شيء، ومعتنقيه شيء آخر . 

—————————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. حسن بن فهد الهويمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*