الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حديثٌ في الثقافة السياسية العربية!

حديثٌ في الثقافة السياسية العربية!

باستثناء منظومة دول مجلس التعاون الخليجي – التي اصطلح قادتها وشعوبها على منهجية وآلية سياسية معينة، يرونها أداتهم لتحقيق الاستقرار، والتنمية، والمعرفة – لا تتوفر على المستوى المجتمعي العربي، على الأرجح، ثقافة اللعبة السياسية الديمقراطية، وأدواتها، وآلياتها، أو حتى البيئة القانونية والتشريعية الحاضنة لها، التي تسمح بالتداول السلمي للسلطة، وتحفظ للحياة السياسية عنفوانها وشفافيتها، بعيداً عن الممارسات الخاطئة، والمصالح الضيقة، وفوضى التَّعصب والتَّحزب، وحمية الجاهلية، بتداعياتها الخطيرة على الأمن القومي العربي، وعلى المسيرة التنموية والمعرفية.

إثر ما اصطُلح على تسميته بالربيع العربي، توقع بعض الخبراء والمحللين بدء حُقبة جديدة ومُشرقة في العمل السياسي العربي، لبناء الدولة الديمقراطية التي تحترم حرية الاعتقاد والحريات السياسية والمدنية ومبادئ التداول السلمي للسُلطة بكل آلياتها المعتبرة، على أسسٍ واضحة تزيد من قدرة المجتمعات على مراقبة السلطة السياسية ومساءلتها ومحاسبتها. وهذا التَّوقع لم يأتِ من فراغ، إذ إن بناء الدولة الديمقراطية كان أحد أبرز أهداف ثورات الربيع العربي.

ولكن مع الأسف الشديد، وبعد مرور أكثر من عامين، على الربيع العربي، يبدو أنَّ هذه التوقعات قد ذهبتْ أدراج الرياح، وأنَّ العرب سوف يحتاجون إلى عقودٍ أخرى من الزمن ليتعلموا لعبة الديمقراطية، وإجادة ممارستها وشروطها الموضوعية، واحترام نتائجها. بلْ إن الأحوال السياسية قد انزلقت إلى منحدراتٍ أكثر خطورة، وتدور في هذه الأيام معارك كسر العظم بين معظم القوى السياسية العربية، وكل فريقٍ يتمترس خلف مواقف متشددة، ويحاول إقصاء الفريق الآخر، وتصفية الحسابات السياسية معه. ويستخدم في ذلك كل الأدوات المشروعة وغير المشروعة. وهذا المسار غير السوي لا يمكن أن يتقاطع بالكلية مع السلوك السياسي الرشيد، ولا يمكن كذلك أن يُساعد على تهيئة الساحة السياسية العربية لاحتضان البيئة المولِّدة لأُطر وقواعد الممارسة الديمقراطية الإيجابية، والسليمة، وترسيخ ثقافة الرضا والقناعة بما تفرزه أدواتها من معطيات ونتائج نهائية.

هذه البيئة السياسية العربية المضطربة، ستظل أحد أهم معوقات الاستقرار السياسي في الوطن العربي، وأحد أهم عناصر الاحتقان المجتمعي، والصراعات السياسية والمذهبية، وحتى الخلافات القبلية والعشائرية، وتؤسس لمراحل أكثر توتراً واضطراباً في العمل السياسي العربي، بكل تأثيراتها السلبية والخطيرة على الحراك الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وقبل ذلك على الأمن القومي العربي. وتزداد إشكالية هذه البيئة – المضطربة أساساً – حين يتم استخدام الديِّن لأهدافٍ وغايات سياسية، ومحاولة استمالة الناخبين عبر العزف على وتره. فالديِّن أسمى وأعظم من أن يستخدمه هذا الفصيل السياسي، أو ذاك. وهذا بالقطع خلاف العمل الجادّ والمخلص لاستلهام قِيم الإسلام، وتراثه الفكري والثقافي في الممارسة السياسية، والبناء الوطني.

على أيَّة حال، لا مناص للعرب للخروج من هذا المأزق السياسي المُزمن، والذي تتسع مساحته يوماً إثر يومٍ، إلا بنفض الغبار والأوساخ عن ممارساتهم السياسية الراهنة، وبناء عقد اجتماعي جديد، يُؤسس لنظامِ سياسي فعَّال، يُتيح لجميع القوى السياسية، بأوعيتها الفكرية المتباينة الدخول في العملية السياسية، وفق شروطها الموضوعية المعتبرة، عمادُها الاحترام المتبادل بين كل المكونات السياسية، وعدم التَّورط في ممارسات انتهازية تُغذيها المصالح الخاصة، والمنافع الشخصية، والأهواء العابثة.

كلمة أخيرة:

النُّخب العربية تتعامل مع الديمقراطية وفق هواها وأجندتها، لا وفق شروطها الموضوعية، فهي مع الديمقراطية إذا كانت نتائج فرز أصوات الناخبين لصالح هذا الفريق أو ذاك، والعكس تماماً صحيح. وهذه انتهازية سياسية بامتياز.

خاطرة:

ما رَأَيْتُ شَيْئاً كَكَثْرَةِ الجَدَلِ يُحْبِطُ الأمَلَ ويُهْلِكُ العَمَلَ – أمين نخلة

———————

نقلاً عن الرياض

-- د. عبدالمجيد بن محمد الجلاَّل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*