الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحِوَارُ الوَطَنِيُّ بَيْنَ الشُّعُوبِ العَرَبِيَّةِ وحُكُومَاتِها

الحِوَارُ الوَطَنِيُّ بَيْنَ الشُّعُوبِ العَرَبِيَّةِ وحُكُومَاتِها

أتابعُ في القنوات الفضائيَّةِ الإخباريَّة واقعَ الوطن العربيِّ في دوله من المحيط إلى الخليج، فتستفزُّني أخباره وتصدمني أحداثُه الجارية، وأحاول قراءةَ المستقبلِ العربيِّ من خلالها فأصدم صدمةً أكبر باستقراءاتي وتحليلاتي فاستنتاجاتي وتوقُّعاتي في ضوئها.

بل وأشكِّكُ في أنَّ أطفال العرب سيستطيعون تصوُّر خريطة الوطن العربيِّ ذهنيّاً ومعرفة أسماء دويلاته القادمة التي ستتجاوز بالتأكيد في ظلِّ الصراعات الآنيَّة والمطالبات بالتقسيم والانفصال عدد دول جامعته العربيَّة البالغة 22 دولة لضِعْفِها مرَّة أو مرَّتين، فلينظر المتابع إلى العراق ولبنان وسوريَّا واليمن ومصر وليبيا وتونس والصومال والسودان.

إذْ أكاد أجزم بأنَّ أحداثها وصراعاتها السياسيَّة والعرقيَّة والمذهبيَّة ستقسِّم كلاًّ منها لثلاث دول أو أكثر ما لم يحل العقلاء فيها دون ذلك، فهل سيأتي يومٌ للعقلاء العرب فيعودون بشعوبهم العربيَّة لطموحات الوحدة العربيَّة لدوله القائمة لا بتقسيم كلٍّ منها لدويلات.

ومن خلال متابعاتي الإخباريَّة للساحة العربيَّة أجد كلَّ الأطراف في كلِّ الدول العربيَّة يتنادون بالحوار الوطنيِّ ولكن لا يصلون إليه.

ومن يصل منهم لطاولة الحوار لا تؤدِّي حواراتهم التي قد تكون برعاية منظَّمات عربيَّة ودوليَّة وإقليميَّة لشيءٍ من التقارب، بل إنَّهم يتباعدون أكثر وتزداد الصراعات فيما بينهم حدَّة ويلجأون أو بعضهم إلى السلاح في صراعاتهم، ويستعين بعضُهم بدولٍ غربيَّة أو شرقيَّة أو إقليميَّة فتتوسَّع الصراعات وقد تزيدها الدول الأخرى اتِّساعاً بقصد أو بدونه جرياً وراء مصالحها.

وتدخل عمليَّاتُ التجسُّس والاغتيالات في مسارات المنافسات والصراعات.

وكلُّ الأطراف في كلِّ دولة عربيَّة تبدأ صراعاتها مع حكوماتها وقد تتوحَّد ضدَّها، وإن تحقَّقت لها إزاحتُها كما حدث فيما سمَّوه بدول الربيع العربيِّ عادت تلك الأطراف لصراعات فيما بينها؛ ممَّا جعل الإنسان العربيَّ في طبقاته الوسطى أو المتابع من خارج دوائر الصراعات يتمنَّى لو لم تحدث ثوراتهم تلك.

ويعصف بي الأسى حينما يخرج أولئك المحلِّلون من الدول نفسها أو من خارجها مبرِّرين هذه الصراعات بأنَّها ضريبة للثورات التي تحتاج لسنوات أو لعقود لتحقِّقَ أهدافها، تلك الأهداف التي غالباً ما تُنَحَّى جانباً وتحلُّ محلَّها أهداف خاصَّة بأطراف الصراعات والنزاعات، وفي مصر والعراق وليبيا وتونس واليمن والصومال ما كشف ذلك، ومع ذلك وخلاله كلٌّ ينادي بالحوار الوطنيِّ ولكنَّهم لا يصلون إليه ولا يحقِّقون شيئاً لو وصلوا لطاولاته.

يتنادون في البدءِ إلى الديمقراطيَّة بتكافؤ الفرص وبالعدالة الاجتماعيَّة وبنبذ المذهبيَّة والطائفيَّة، ويتداعون إلى التغيير والتطوير والتشارك في إدارة الوطن وفي تنميته، ويتواصون بمعالجة الفساد الإداريِّ والماليِّ والتهميش والإقصاء، ولكنَّهم حين يصلون لطاولات الحوار – إن وصلوا- تضيع كلُّ تلك المطالبات، ويلجأون للسلاح بما يسمُّونه ثورة فإذا ما انتصر طرف على أطراف أخرى بإزهاق مئات الآلاف من الأرواح وبتشريد الملايين وبتدمير البنية التحتيَّة تبدأ عمليَّات الإقصاء والفساد الإداريِّ والماليِّ لتحقيق مكتسبات ما يسمُّونه بالكفاح الوطنيِّ الذي وصل بالطرف المنتصر للسلطة، وينسون ما كانوا ينادون به لتعود الصراعات مستجدَّة بينهم وبين الآخرين من الشعب المنادين بما كانوا ينادون به.

وهكذا تستمرُّ الصراعات والأعداء من حولهم يؤججونها ويستثمرونها سياسيّاً واقتصاديّاً بتسويق منتجاتهم من الأسلحة.

وتبدأ المنظَّمات الإقليميَّة والعالميَّة بأدوارها أثناء الصراعات وبعدها بمناداتها المعتادة ومؤتمراتها وتوسُّطاتها ولكن لا نتائجَ إيجابيَّة إلاَّ نادراً، وتبقى مناداة أطراف الصراع إلى الحوار الوطني في كلِّ دولة تعصف بها الصراعاتُ الداخليَّة فلا يصلون إليه وإن وصلوه لا يحقِّقون أمراً إيجابيَّاً في الوحدة الوطنيَّة والأمن والاستقرار والتنمية، فأقصى ما يصلون إليه هو تقاسم المصالح مؤقَّتاً.

وهكذا ينعدم الأمن والاستقرار وتتوقَّف التنمية بل وتتراجع بتدمير البنية التحتيَّة وتتوقُّف الرعايةُ الصحيَّة والأمنيَّة والتعليم فالأميَّة وصلت في العراق إلى 50% وزادت في الصومال عنها، والأوبئة ووفيات الأطفال تضاعفت معدَّلاتها مراراً فيهما وفي غيرهما.

لكلٍّ أهدافهم ولكلٍّ مصالحهم، وكلٌّ ينتمون لمذاهبهم ولعرقيَّاتهم، ويتذكَّرون ذلك كلِّه أثناء صراعاتهم على السلطة وينسون الوحدة الوطنيَّة والأمن والاستقرار وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعيَّة والتنمية والتطوير والتغيير، بل وقد يندفعون لخيانات عظمى لأوطانهم بعمليَّات تجسُّسيَّة، وخليَّة التجسُّس العاملة لصالح إيران التي كشفتها بلادنا ومعظم أفرادها سعوديُّون مثال صارخ لما يحرِّك أولئك من أهدافٍ ومصالح ومذاهب وعرقيَّات.

وأحسب أنَّ الإنسان العربيَّ لا يمكن أن ينفصل بحياته عن أهدافه الشخصيَّة وإن خبَّأها في شعارات ولا عن مصالحه الخاصَّة وإن ألبسها وشاحات وطنيَّة، وأراه وقد نسي وحدته الوطنيَّة وأمن بلاده واستقرارها سيخسر أكثر ممَّا يكسب، فلو عاد لعقله في حساب المكتسبات والخسائر لتخلَّى عن كثير من أهدافه الشخصيَّة ومصالحه الخاصَّة لصالح الوطن.

وعند ذلك سيعرف أنَّ الحوار الوطنيَّ لا يعني رفع الشعارات وطرح الأفكار دون الرغبة بالتعايش السلمي والأمل بالإصلاح الوطنيِّ والشعور بالمسؤوليَّة المشتركة، وأنَّ ما ينادى به لا يتحقَّق بقرار آنيٍّ وإنَّما يتطلَّب الصبر والتخطيط والتعاون وسلامة الهدف والوسيلة.

لا يعاب الإنسان العربيُّ ولا غيره بمدافعة الظلم والتهميش والإقصاء عن نفسه، وبمواجهة الفساد الإداريِّ والماليِّ المصادر حقوقه ومكتسباته، وبمطالبته بالعدالة وبتكافؤ الفرص وبالتنمية والتطوير والتغيير في وطنه، ولكنَّه يؤاخذ وطنيّاً إن جاء ذلك على حساب الوحدة الوطنيَّة والسلم الاجتماعي والأمن والاستقرار، ويُردُّ ادِّعاؤه بأنَّه لا يستطيع تحقيق ذلك بالحوار الوطنيِّ وأنَّ حكوماته تخادعه به لتكسب الوقت.

وحين تنطلق الدعواتُ للحوار الوطنيِّ من الحكومات لشعوبها فتلك إشارات برغباتها في الإصلاح الوطنيِّ والسعي إليه، ولقد حقَّقت بلادنا في السنوات الأخيرة ما لم تحقِّقه دولٌ أخرى في هذا المجال.

ولذلك فأمنها واستقرارها وتنميتها شواهد نجاحاتها، وآمالنا تكبر كلَّما تحقَّق شيء، وهذا لا يعني أنَّنا حقَّقنا أهدافنا وطموحاتنا كاملة، فتلك تتطلَّبُ من الزمن والجهد والتخطيط والتعاون والتشارك مع حكومتنا ما يجعلنا أقرب بكثير من دولٍ عربيَّة سعت للتغيير بأساليب أخرى.

————-

نقلاً عن الشرق

 

-- عبدالرحمن الواصل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*