الخميس , 8 ديسمبر 2016

التأصيل.. والتغريب..

لماذا اتسعت الخصومات والحروب والتباينات العرقية منذ أزمنة بعيدة، استطاع الدين الإسلامي حلها في بدايات الدعوة إلى انتهاء الخلفاء الراشدين ثم بدأت سلسلة أخرى لنظام الحكم وشكل الدولة التي بنيت على العائلة الأموية في ظل تجمع قبلي مع خبرات شعوب أخرى كانت أكثر تقدماً في نظمها الإدارية وأبعادها الحضارية، لتمتزج بالثقافة العربية، ولكنها لم تتجانس معها عرقياً حيث الفواصل أخذت تتطور إلى أن نشأت في ظلها «الشعوبية» والمذهبية لتصل بهما إلى صراعات على الثقافة التي هي مفصل التباعد بدلاً من التقارب؟..

ليس التاريخ وحده إلا الأرشيف الباقي لنا في قراءة تلك المراحل، وإسقاطها على واقعنا الجديد الذي لم ينشأ متواصلاً لنجعل منه خط سير لنا، وخاصة بعد الغيبوبة الطويلة لمراحل الانكفاء الذاتي، وإشاعة الخرافة ثم الخضوع لأدوار أخرى من غزوات واستعمار إلى أن جاء الصدام مع الحضارة الغربية لنجد أنفسنا أمام جدلية لم نحسم أمرها في «الأصالة والمعاصرة» دون الاحتكام لمزجهما في إطار واحد يضعنا على خط التطور مثل ما يجري الآن مع دول خرجت من حبوس تاريخها إلى المعاصرة دون أن تفقد أصالتها وخاصة في آسيا، حيث النموذج الياباني الذي ولّد خرائط الطرق للقارة الكبرى كلها..

الانطلاق نحو المعاصرة، اصطدم بالتقاليد والموروثات الأخرى، وجسدها برفض المنتج الكافر الغربي ضد المعتقد الذي يريد إحلاله من الاستعمار المباشر إلى الاستعمار الثقافي والاقتصادي رغم أن كل ما يتصل بحياتنا هو منتج ذلك العدو دون تفريق بين المكتسب العلمي والمادي، والخصوصية التي تطبع المجتمع العربي بثقافته ومجمل تاريخه..

المشكل مع هذه الجدلية أننا لم نستطع استيعاب موروثنا واخضاعه للنقد بمنطق العصر لنؤسس لخيار يجمع المعاصرة، مع الأصالة، ولذلك حولنا الصراع نحو الداخل بين التغريب والتأصيل، والنتيجة جاءت أحكامنا متناقضة لتزرع بذرة الصدام باستيراد عوامل الماضي وإحضارها لتكون الحكم على من هو الأصوب والأصلح، فخرجت المذهبية والقومية والقطرية كأسس نبني عليها سياساتنا، وهي حصيلة خاسرة، والسبب لا يعود لمشكل عقلي، وثقافي، وإنما لعدم الانسجام بين مفاهيم العائلة والقبيلة والمجتمع والوطن في إطار جامع، فحدثت الانشقاقات والحروب في معظم الدول العربية ذات الجذور المؤسسة للحضارات البشرية في العراق، وسوريا ومصر ودول المغرب العربي والجزيرة العربية، وهي نتيجة تراكم أخطاء لم تطرح كمشكلة ثقافية وفلسفية في ظل غياب الحرية العامة والتي على أساسها تخلص الغرب من عقدة التمايز والحروب إلى بناء حضارته..

نحن في مرحلة لم تقبل المراجعة للأخطاء، بل تكريسها، ولم تعد القابليات للخروج بحوار حضاري يؤسس لعلاقات اقتصادية وسياسية وأمنية كمقدمات لرسم خطط المستقبل وحتى ما سمي بعصر النهضة العربية، ظلت اجتهادات أشخاص لا طريق عمل، والآن ونحن نشهد انقطاعاً خطيراً بين الأجيال الجديدة لا تتجه البوصلة إلى طريق جديد، فصار المؤثر الأقوى، ونعني في المجتمعات الدولية المتقدمة، أكثر تأثيراً علينا، وحتى نظم التعليم وبيئة المدرسة والجامعة والمعهد باتت حضانات لنمو عقل مشوش استغلته بعض القوى لتقديم بعض الناشئين قرابين للتطرف، وأزمتنا تبدأ من العائلة، فالمدرسة فالمجتمع، وما لم ندرك كيف نصوغ طريقاً آخر ينبع منا دون عزلة عن الحياة المعاصرة، فكل الأبواب مفتوحة على المصادفات التي لانعرف نتائجها..

—————–

نقلاً عن الرياض

-- يوسف الكويليت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*