الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إنسان الوطن ووطن الإنسان

إنسان الوطن ووطن الإنسان

هي ليست جدليّةً ديالكتيكية، أو ترفاً محضاً في مماحكةٍ لفظيةٍ، يستعصي فهمها بادي الرأي، إن هي إلا محاولة للكشف عن منطقٍ يجب أن يكون حاضراً ومحلاً للوعي. وعلى أي حالٍ يمكنك أن تقرأها على هذا النحو:

*جَعل الإنسانُ من الوطنِ شيئاً حيّا. (بمعنى أدق: لو لم يكن ثمة إنسان فلا أوطان)!

أعلم يقيناً أنّك مسكونٌ بهاجسِ معرفة، مَن يكون هذا الإنسان؟

هو ذلك الذي لم يبرح أرضه حبّاً وولاءً وبقيَ حياتَه كلها وهو ينفخ الروحَ في جسد الوطن لِيُكسبه الحياة؟!

أحسَبك الآن قد عرفت ماهيّته، إنّه ذلك الحرّ الذي جعلَ منه الوطنُ إنساناً حيّاً. (وبمعنى أدق: لو لم يكن ثمة وطن فلا إنسان)!

قد تقول إنّه -في الأصل- ما مِن أحد يدبّ برجليه على وجه الأرض ماشياً إلا وفيه حياة بالضرورة! وعليه فكلّ الناس أحياءُ دون أن يكون بينهم فرقٌ!

ثمّ – أنتَ بنفسك – ستستدركُ ثانيةً لتقول: أم أنّك قصدت بالحياةِ معنىً آخر.. فأخبرنا عنه؟

بالضبط، إن هي إلا ذات معنىً آخر أخبرنا عنها القرآن بقوله: «ولقد كرّمنا بني آدم» وحدّثتنا عنها السنة فقالت: «لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنَ الْحَبَشَةِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَعْجَبُ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ؟» قَالَ: امْرَأَةٌ عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ مِنْ طَعَامٍ فَمَرَّ فَارِسٌ يَرْكُضُ، فَأَذَرَاهُ فَقَعَدَتْ تَجْمَعُ طَعَامَهَا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ لَهُ: وَيْلٌ لَكَ يَوْمَ يَضَعُ كُرْسِيَّهُ، فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهَا: «لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ ضَعِيفُهَا حَقَّهُ مِنْ شَدِيدِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ» .

وإذن فالشيء الذي يجمع بينهما -الإنسان والوطن- هو: «التراب» ولكليهما روحٌ غير أنّ الإنسانَ يتمتع بالعقلِ مناط تكليفٍ وخصوصية تشريفٍ، في حين يظل الوطن بالعاطفة متمتعاً ولا يمكن بحالٍ أن يُتصور عيش رغيد كريم دون عقل وعاطفة معا.

إذا كان الأمر كذلك فمن ذا الذي يصنع العداوة فيما بين الإنسان والوطن؟!

أفترضُ أنّ ثمّة خطأ كان يعتور صياغة سؤالك، الأمر الذي يجعلني أتجاهله بالمرّةِ، ذلك أنّي مؤمن بـ: «السلام» وكافرٌ بـ «العداوة» التي تُصنعُ بالظلام لتفصل بالتالي فيما بين الإنسان ووطنه.!

وبكلٍّ فإنّ غاية ما يمكن أن نخلص إليه ما يلي:

الإنسان هذا المخلوق المكلّف المنفوخ فيه من روح الله « تكريماً» الممنوح قدرةً على التمييز والاختيار، هو محور»الوطن» ووسيلته وهدفه ومعيار تقدمه أو تخلّفه إذ لا يمكن قياس ذلك إلا بمدى قدرةِ «الوطن» على تحقيق إنسانية الإنسان وشراكته في صناعة مستقبله وإطلاق ملكاته في سبيل ذلك ونوله من خيراته دون تفرقةٍ، ناهيك عن تحقيق وعيه بذاته وانسجامه مع حراك توافره على حقوقه تامةً يتسنّى له جراءها الارتقاء بإنسانيته ووطنيّته على حدٍّ سواء ابتغاءَ أن يُحسن بالتالي القيام بما عليه من واجبات في بناء وطنه ورعايته حق الرعاية.

لذلك نستطيع القول: إنّ الرسوخ في فهم أزمة التّخلف وإدراك جوانبها المتعددة وأسبابها القريبة والبعيدة وفق حركة السنن والقوانين التي تحكمها يبدأ من فهمنا أولا لِـ: «من هو الإنسان» وماهي علاقته بهذا «الوطن»؟! ومن ثَم الاشتغال على إزالة اللبس الذي يغشى بصيرة من يظن أنّ»إنساننا» غير»إنسان أوروبا والغرب»!

—————

نقلاً عن الشرق

-- خالد السيف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*