السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الوطنية الحقة ضد الاستعمار الجديد ؟!

الوطنية الحقة ضد الاستعمار الجديد ؟!

الوطنية الحقة ضد الاستعمار الجديد ؟!في وقتنا الحاضر هناك دول من العالم الثالث، ضحية للاستعمار القديم بثوبه الجديد، في الماضي تمثل الاستعمار القديم بالاحتلال، فكانت الإمبراطوريات في الغرب كبريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وغيرها من الدول الاستعمارية تستخدم الجيوش في استعمار الدول المستضعفة، ونهب واستنزاف ثرواتها، حتى أطلق على مستعمرات بريطانيا أنها لا تغيب عنها الشمس لوجودها في المشرق والمغرب، وحتى أميركا لم تسلم من الاستعمار فقد كانت مستعمرة بريطانية. 

ما نلاحظه ونراقبه الآن تحول الاستعمار من احتلال دول بالجيوش إلى الاستحواذ على أنظمة وتسخيرها وتطويعها لخدمة الدول الكبرى سواء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن أو حلفاءها.

كثير من الأنظمة في دول العالم الثالث والتي تتحدى وتواجه هذا الاستعمار الجديد تقابل إما بالترهيب من قبله تارة، وهذا هو السائد، أو بالترغيب والتحفيز وهذا أيضًا الوجه الآخر للعملة الاستعمارية الجديدة التي نعايشها الآن. 

الاستعمار الجديد يتحرّك بالطبع وفق مصالحه فقط لا غير، ولا تهمه أن تكون الشعوب محكومة بأي نظامٍ كان، فتلك الدول وشعوبها هي آخر اهتماماتها، فالمهم أن مصالحها لا تمس؟! بعض تلك الأنظمة تجدها تواجه هذا الاستعمار وتتحداه، فيرى الاستعمار أن هذه الأنظمة أو تلك تُجدِّف ضد التيار، وبذلك لا بد من إغراقها عاجلا أم آجلا. 

فالعملية مصالح دول كبرى تهددها تلك الأنظمة. ولكن ما الذي يحصل لهذه الأنظمة “المارقة” -في نظر الاستعمار الجديد- وأوطانها وشعوبها ومقدراتها ومكتسباتها؟ 

إما أن تُستخدم كأوراق رابحة متى ما احترقت يتم التخلص منها، والأمثلة على ذلك كثيرة، فشاه إيران أحد الأمثلة ومثله الرئيس العراقي “صدام حسين”، وحاكم تونس “بن علي”، وحاكم ليبيا “القذافي”، وحاكم مصر “مبارك”، وحاكم اليمن “علي صالح”، والآن حاكم سورية وحكام إيران.. وغيرهم أصبحوا أوراقًا محترقة ومصيرهم إلى الزوال ولكن متى؟! 

بالطبع بعد خراب مالطا وتدمير بلدانهم وتبديد ثرواتها ومكتسبات شعوبهم. أو أنظمة تتعامل مع المنطق القائل: إنك لا يمكن أن تواجه دولًا هي عبارة عن فك مفترس تصنع لك الأسلحة التي تحاربهم فيها، حتى ولو كانت هناك مصانع تجميع فتعتبر عبثًا لأنك لا تصنع الآلة التي تصنع الآلة. 

فالاستعمار الجديد يقول لك: إما أن تمشي تحت مظلتنا، وإلا فإننا سنُخرِّب ونفسد عليك كل شيء. وفي حالة اختيارك للمواجهة سوف نعيقك عن تنمية وطنك وسندمرك بالكامل.

ما يحدث في سورية وإيران، وما حدث في مصر وتونس وليبيا أمثلة حيّة تُؤكِّد ما نقول بأن مصالح الدول الاستعمارية تُقدَّم على مصالح الأوطان والشعوب، وهناك أنظمة أخرى لديها فلسفة تقول: إن الحكمة والمنطق والعقل يقول: ليس هناك خيار أفضل من وسيلة التعامل مع الاستعمار الجديد في الوقت الراهن من أجل المحافظة على مكتسبات الأوطان والشعوب وثرواتها، بل وتنمية مواطنيها وأوطانها، وفي الوقت ذاته تحافظ على مصالح تلك الدول بثوبها الاستعماري الجديد بأقل تكلفة، وهذا فيه ذكاء وحكمة.

وهناك نظم أخرى توقف جشع ونهم تلك الدول الاستعمارية عند حدها بتعزيز مبدأ المواطنة الصالحة، والوطن الذي يترعرع فيه الجميع دون تفرقة على أساس الدين أو المذهب أو العرقية أو القبلية وغيرها، المبنية على صيانة حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية للعيش بكرامة في ظل سيادة القانون ودولة المؤسسات.

ما يحد أو يقلل إلى أدنى حد من استغلالية وجشع وانتهازية الاستعمار الجديد هو الانسجام والتكاتف والاحترام المتبادل بين الراعي والرعية، والتعبير عن الرؤى والاحتياجات بشكل حضاري بعيدًا عن غوغائية الشارع أو التحريض على الفتنة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي أو غيرها.

الوطنية الحقة تشمل الطرفين الحاكم والمحكوم، على أن تتوفر اللحمة بين القيادة ومواطنيها، وما يفسد الوطنية الحقة هي التباعد بين الراعي والرعية واستغلال هذا التباعد من قبل المندسين لتوسيع رقعة الهوة وفق مبدأ استعماري قديم جديد يقول: “فرق تسد”.

إن الوطنية الحقة تتمثل بتفويت الفرصة على الدول الاستعمارية من خلال تغليب مصالح المجتمع العليا على المصالح والمكاسب الشخصية الضيقة من منصب أو مال أو غيره.

الوطنية الحقة هي المحافظة على الأوطان وتنميتها والمحافظة على الشعوب وكرامتها وثرواتها. فمبدأ الاستعمار الجديد هو أن تعطينا ما نشاء، وإلا سنُخرِّب ونُدمِّر، وهذا يدحضه التلاحم بين الحاكم والمحكوم. 

—————–

نقلاً عن المدينة

-- د. سلطان عبد العزيز العنقري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*