السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأخطاء القاتلة .. الإخوان ومأزق الوعي السياسي

الأخطاء القاتلة .. الإخوان ومأزق الوعي السياسي

إنك عندما تكذب تباعا، يكون كل شيء ضدك، حتى الوهم يكون عاملا في زيادة جرعة التخويف منك، بل والتخوين ؛ لأن عدم تطابق الأقوال مع الأفعال يجعل مستوى المتوقع منك – سلبا وإيجابيا ؛ وفقا لسياق القراءة – منفتحاً على كل الاحتمالات . وهذا سياسيا، ليس في صالح من هو في أمس الحاجة إلى كسب ثقة الآخرين، بل مَن لا يستطيع الاستمرار إلا بكسب ثقة الآخرين

يقول نيتشة : « إن خدمة الحقيقة هي أصعب أنواع الخدمات «. وهذا توصيف لا يتعلق بمسار تجْلية الحقيقة، ولا بالعوائق الذاتية والموضوعية التي تعترض مسيرة الدفع بها إلى الصفوف الأمامية من الخطاب فحسب، وإنما يتعلق – ابتداء – بإرادتها ؛ من حيث هي إرادة تستلزم التجرد من المخاوف والأوهام والرهانات الخاصة، وبالقدرة عليها؛ من حيث امتلاك القاعدة الذهنية، والمعرفية، والوسائطية اللازمة للوعي بها، وليس انتهاء بتصور استحالة اكتمالها – كواقعة مستقلة – في عالم الأذهان.

إذا كانت هذه هي حال (الحقيقة) بالمطلق، فإنها في السياسة تحديدا أصعب، ولها أكثر من وجه، ولكُلٍّ – فيها – وِجْهةٌ هو مُولّيها. ومن هناك كان الاتفاق على المسارات السياسية من أصعب الأمور، بل هو عين المستحيل.

إن الحقيقة المتفق عليها – نسبيا – تتفتت وتتلون، وربما تتخاصم كثير من مكوناتها، بمجرد أن توضع في مسار سياسي. وهذا يعني أن السياسة مفسدة للحقيقة الناجزة (على افتراض إمكانية ذلك!) ؛ فكيف يُراد منها تجلية الحقيقة وهي مَظنّة تزييفها، أو أن تكون الحقيقة فيها أحادية البُعد، وهي ملتقى صراع الإرادات المتنازعة بحجم قوة الاختلاف في تصور الوقائع، كما في الموقف من الأشخاص.

إن ما وَصَل إليه الإخوان، أو وَصَل إليه المجتمع المصري بهم، أو أُوصِلُوا إليه، هو – بالدرجة الأولى، وليس بالسبب الأوحد – نتاج سلسلة من الأخطاء السياسية القاتلة التي انتهجها الإخوان منذ اشتراكهم في موجات الغضب الاحتجاجية مطلع عام 2011م وإلى اليوم . ولا يعني تسليط الأضواء على هذه الأخطاء السياسية القاتلة تصويب أي طرف مقابل / مضاد ؛ مهما كانت نسبية التصويب . كما يعني – بأي حال من الأحوال – الاستهانة بأرواح الضحايا ولا بآلام الجرحى، ولا التقليل من حجم المعاناة الإنسانية، بصرف النظر عن انتمائهم إلى أي طرف من أطراف النزاع، إذن نحن أمام وطن ينزف عن آخره، وطن لم يعد يحتمل ترفا الخصام .

لقد ارتكب الإخوان – من قَبْل الحكم، وبعده، وفي أثنائه، سلسلة من الأخطاء التي لا يمكن رؤية الإشكال الراهن إلا على ضوئها . وهي -اختصارا – تتلخص فيما يلي :

1 ربما كان جذر الإشكال السياسي الإخواني أن وعيهم السياسي مستمد من وعيهم التراثي الماضوي الارتكاسي العام . أي أنهم يعون السياسة من حيث هي تشكّل ناجز في الماضي . إنها (= رؤيتهم) – ومهما تقاطعت مع الشعارات السياسية الحديثة – محض رؤية سلفية ارتدادية، تستمد تصوراتها للعلاقات المعاصرة من عصر مختلف أشد ما يكون الاختلاف عن عصرها الراهن الذي تعمل فيه. ما يعني أن هناك عصرا تشتغل عليه ذهنيا إلى درجة الاستلاب التام له، وهناك عصر آخر مختلف تشتغل عليه عمليا.

ومن هنا، فهما عالمان مختلفان، ومأزق الإخوان أنهم يُحاولون إدارة العالم الثاني الزاخر بالتنوع والاختلاف وارتفاع وتيرة المتغير بإزاء الثابت، بمحدودية وعي العالم الأول.

الإخوان معزولون تماما عن الفكر الحديث . دراساتهم الفكرية في هذا المجال هي غاية ما يمكن في الهزالة، بل والتفاهة. لا يعتقدون (وهو هنا لديهم اعتقاد ديني، لا مجرد جزم معرفي) أنهم بحاجة إلى هضم التراث الفلسفي الذي ينهض العالم المعاصر عليه، لا يجدون ضرورة في الاطلاع على الفلسفات السياسية التي شكّلت – ولا تزال تشكل – العصر الحديث .

إنهم زاهدون في الاطلاع على المعرفة الحديثة (وأقصد في شقها الإنساني ؛ لا التقني /المهني)، وإذا ما قرروا الاطلاع يوما ما على هذا التراث الإنساني الزاخر، التراث الذي خلق هذا العصر، وهو التراث الذي يتموضع فيه الخطاب السياسي المعاصر، فإنهم لا يفعلون ذلك بدافع من إرادة المعرفة الحرة، لا يفعلون ذلك إلا لتبخيسه وتحقيره وتقزيمه إزاء المنتج التراثي، فضلا عن ربطه (= التراث الإنساني العام) – تكفيرا – بمحاور الضلال، واعتباره من نتاج جاهلية القرن العشرين (انظر أبرز مفكري الإخوان : محمد قطب، وكيف ينظر إلى علم الاجتماع المعاصر متمثلا في الدوركهايمية عنده، وعلم النفس ممثلا في الفرويدية، خاصة في كتابيه : الإسلام والمادية، وجاهلية القرن العشرين) .

هذا يعني أن الإخوان معزولون تماما عن ثقافة العصر، بل وعن المجال السياسي المُتَعَصْرِن الذي يتفاعلون معه، ويحاولون فيه – كميدان تنافسي – أن يَصلوا فيه إلى أعلى درجات الفاعلية السياسية.

ويزيد أمر هذا الانعزال سوءا أنه انعزال لا يعي ذاته في الغالب، بدليل أنهم يخلطون – دون أدنى إحساس باختلاف المجالين أو بتناقضهما – بين (الشرعيّة) و(الشّريعة)، وبين (الاقتراع الديمقراطي) و(البيعة)، ففيما تراهم يُنادون بشرعية الرئيس المنتخب (بناء على شرعية الانتخاب)، تجدهم يرفعون شرعية (بيعة) الرئيس، وبينما يرفعون راية الشرعية المبنية – كما يقولون – على شرعية الاقتراع الديمقراطي، تجدهم يرفعون راية الشرعية الإلهية، وأن من يُعارضهم – فكريا أو عمليا – أو يعارض أطروحتهم، فإنما يعارض شرع الله !. وحينئذٍ لا تعلم أين هي المشكلة لديهم، هل هي في غياب تحكيم الشريعة، أم في غياب تحكيم الشرعية !، وماذا لو سُلبت منهم الشرعية بضمان تحكيم الشريعة، هل سيُسلّمون بالأمر لغيرهم على اعتبار أن الهدف الأسمى قد تحقق؟

عندما تختلط الأمور على هذا النحو، لا تدري – ولا يدري الإخوان ؛ ربما !- أين هي مشكلتهم الأساس، ولا أين هي مشكلة خصومهم معهم ؟ فهم لم يحددوا – على نحو واضح وصريح – هل (الشرعية) متحددة في (الشريعة)، وبم يحددوا : هل العكس ممكن، أي أن تكون (الشريعة) متحققة في إرادة (الشرعية)، بمعنى أن خيار الناس يتشرعن دينياً في الواقع ؛ فيصبح المدني دينيا بإرادة الجماهير !.

هذا مثال واحد على الانفصال عن روح العصر مع أنهم محكومون بقوانين ومواضعات ومعادلات القوة العصرية .

والأمثلة كثيرة، فمسألة الحريات لم تُحسم بعد لديهم، ومنها حرية الاعتقاد، ومسألة العلاقة بالآخر (وللأسف، لا يختلف الإخوان عن غيرهم كثيرا في هذه النقطة بالذات، فشيطنة الآخر هو دأب الجميع، حتى الأحزاب والتكتلات التي تدعي التقدمية تمارس هذه الشيطنة عندما تخدمها) لا زالت غائمة، ومفتوحة على جميع الاحتمالات … إلخ الأعطاب الناتجة عن الانغلاق على وعي ماضوي سلفي عتيق، وهو انغلاق ليس وليد اللحظة التي اعتلى فيها الإخوان سدة الحكم، بل هو مبدأ ثقافي عام، بدأ معهم منذ لحظة الانطلاق الأولى .

2 الخطأ الثاني، وهو الأول في المنعطف السياسي العملي الأخير، كان قرار الترشّح – المفاجئ – للرئاسة، ثم قرار الاستحواذ على السلطة بكل مفاصلها الأساسية، من غير أن تكون هناك تجارب عملية سابقة في الإدارة تُبرّر مثل هذه الثقة الكبيرة بالنفس، والتي هي ثقة ثبت أنها في غير محلها . فالانتقال من عهد سلبي يمتد لعشرات السنين من الإقصاء والاضطهاد والاعتقال – فضلا عن العمل السري ؛ اضطرارا لما سبق – إلى إدارة أكبر بلد عربي، وأصعب بلد عربي (والصعوبات هنا كثيرة جدا، ويصعب حصرها في سياق واحد)، ومحاولة تجييره لمشروع خاص، لا بد أن يؤدي إلى هذه الكارثة الماثلة للعيان.

كان القرار الإخواني المبدئي بالترشح لثلث المقاعد البرلمانية فقط قرارا صائبا إلى حد ما. ولكن تم نقضه بقرار الاستحواذ الذي سيطر الإخوان به على نصف المقاعد البرلمانية، وبقرار الترشح للرئاسة التي أكدوا في البداية على عدم نيتهم الترشح لها (وكان عدم الترشح هو القرار الصائب عند من يملك أبجدايات الوعي السياسي) . ثم تم تتويج كل هذا بتهميش الآخرين، إلى درجة أن استقال معظم مستشاري الرئيس الإخواني قبل أن يُعزل في 3 / 7 /2013م، مع أنه هو الذي اختارهم، أو صادق على اختيارهم . ما يعني أن قرار الترشح الذي بدأ كخطأ فادح، بل كخطأ قاتل، تصاعد سلبا حتى داخل أروقة القصر الرئاسي، وانتهى بالرئيس المنتخب – الذي تسنّم منصب الرئاسة بإرادة جماهيرية (ولو نسبية) تمنحه مستوى معقولا من الشرعية – إلى غياهب السجون .

من أولويات الوعي السياسي أن تكون قادرا على إدارة فضاءات التخاصم، وتحييد الخصوم ولو بالحدود الدنيا . ومن هنا، فإن إثارة مخاوف الفرقاء السياسيين القادرين على التأثير على معادلات القوة السياسية تُعَدُّ من دلائل الغباء السياسي . والإخوان – بفوزهم الكاسح بنصف المقاعد البرلمانية – أثاروا مخاوف كل الفرقاء السياسيين، وزادوا جرعة الخوف عندما فاز مرشحهم الرئاسي بمنصب الرئيس، واستكملوا مسلسل التخويف الغبي بأن فرضوا رئيسا للوزراء (-هشام قنديل الفاشل بكل المقاييس) منهم، مع تأكيدهم السابق أنه لن يكون منهم !.

طبعا، لا يعنينا هنا تحديد : هل هذا الخوف مشروع أم لا، فالمشروعية – وُجدت أو عُدمت هنا – لا تؤثر في مجريات الأمور، المهم أن الخوف حالةٌ واقعة ٌ، حالة مؤثرة، حالة أنتجت خيارات سياسية كانت – في مؤداها الأخير – كارثية على الإخوان .

3 كان القرار الإخواني غير المعلن بالاستحواذ على مفاصل السلطة، من غير أن تكون لديهم كوادر مدربة آليا، من أهم الأخطاء القاتلة التي انفرط منها عقد الفشل ليصل إلى القاع الرهيب، القاع الذي أصبح فيه الإخوان الآن .

إن الرئيس الإخواني، وحتى بعد أن انتخبه – اضطرارا – من لم يكن يريده ابتداء، لم يحصل إلا على ما يقارب 52%، أي أكثر من النصف بقليل، بينما لم يحصل في الجولة الأولى التي تعكس حجم المقتنعين بالإخوان (وليس بالرئيس طبعا، فهم لا يعرفونه سلفا) إلا على ربع الأصوات .

وعلى ضوء هذه النسبة المتواضعة، فإن الإخوان لو حققوا أعلى معدلات النجاح في التنمية وفي حل جميع الإشكاليات الأمنية والاجتماعية، فستبقى مشروعيتهم – على ضوء سلوكيات الاستحواذ – مشروخة، وسيبدو وضعهم السياسي مقلقاً إلى حد كبير .

كان يمكن أن يتم التغاضي عن الاستحواذ الذي مارسه الإخوان لو أن فوز مرشحم يوازي حجم استحواذهم المتحقق في الواقع . فهم قرّروا أن يكون رئيس الجمهورية منهم، ورئيس البرلمان، منهم ورئيس الوزراء منهم، وتحرشوا بالسلطة القضائية في محاولة للهيمنة عليها. وكل هذه محاولات استحواذ كان من الممكن هضم بعضها لو أن مرشحهم الرئاسي فاز بنسبة تتجاوز 80% من الأصوات، مع أنه – وفي حدود الوعي السياسي بعيد المدى – لا يجوز الاستحواذ الكامل حتى ولو تجاوزت نسبة الفوز 99%، تلك النسبة الأسطورية التي كدنا أن ننساها في هذا الزمن الجميل !.

إن فوز الإخوان بنصف الأصوات تقريبا كان يعني أن نصف المجتمع ليس معهم بشكل معلن وصريح، وثلاثة أرباعه ليس على قناعة بهم ابتداء . ومن ثم كان عليهم – إذا كان ولا بد من منصب الرئاسة – أن يحصروا أنفسهم في ما لا يتعدى 25% من المناصب القيادية العليا الموضوعة تحت تصرفهم بحكم فوزهم، وأن يتقاسموا بقية المناصب مع بقية القوى السياسية، بحيث يكون أولئك الفرقاء شركاءهم في هذه الفترة الانتقالية الحرجة ؛ بدل أن يجعلوا منهم خصوما سياسيين ألداء، يتعثرون بهم في كل خطوة يخطونها، حتى ولو كانت خطوة إيجابية ليست محل خلاف في سياق الإصلاح .

من البدهي أن الشراكة السياسية هنا لا تسير في اتجاه تحقيق هدف واحد، أي في تحقيق مستوى معقول من التراضي السياسي فحسب، بل هي – أيضا – تُحقق الهدف الأسمى المتمثل في استثمار خبرات الآخرين، وإبراز الكفاءات الوطنية التي من شأنها أن تنهض بالوطن المأزوم، المتعثر بنفسه، المتعثر بمكوناته، المتعثر بتاريخه القريب والبعيد، والذي هو بحاجة إلى سواعد الجميع، الجميع بلا استثناء، ومن ثم، بلا تهميش ولا إقصاء.

هذا هو المعقول / المفروض سياسياً. لكن، مما لا شك فيه، أن الممارسات الإخوانية في هذا المجال دلَت على أنهم لم يكونوا بارعين إلا في صناعة الأعداء، وكانوا أشد براعة في إثارة مخاوف هؤلاء الذين كانوا أعداء أو تحولوا – بفضل التهميش أو التخويف أو بفضلهما معا – إلى أعداء . والخائف قد يفعل (أي شيء!)، ولا يلام في سعيه لتحقيق أمانه السياسي.

4 خطأ / خطيئة الكذب، ونكث الوعود . فالإخوان منذ البداية كانوا يكذبون وينكثون مواعيدهم تباعا . والكذب في السياسة خطأ يتحول – تلقائيا – إلى خطيئة، فالإخوان تعهدوا بعدم تجاوز نصاب الثلث في الانتخابات البرلمانية، فقفزوا إلى النصف، وتعهدوا بعدم الاستيلاء على منصب رئاسة البرلمان، ولكنهم وضعوا أشدهم تعصّبا للإخوانية (= الكتاتني) في منصب رئاسة البرلمان، وتعهدوا – بعد أن عبّر كثيرون عن تخوفهم بعد الاكتساح البرلماني – بعدم ترشحهم للرئاسة، فنكثوا العهد وقرروا الترشح، وعندما فازوا وأثاروا المخاوف، أكدوا – لطمأنة المتخوفين من كل الفرقاء السياسيين – أن رئيس الحكومة لن يكون بأي حال إخوانيا. ولكنهم ما لبثوا أن جاؤوا بالإخواني : هشام قنديل . ولم يكتفوا بأن يكون إخوانيا حتى جاؤوا به فاشلا أشد ما يكون الفشل، حتى قال كثير من المراقبين : إن لم يكن لدى الإخوان من يصلح لمنصب رئيس الوزراء إلا هشام قنديل فالجماعة مفلسة تماما.

والغريب أن الإخوان أصروا عليه رغم فشله الذي أكّده حتى كثير ممن يتعصب للإخوان، وبقي – بعناد غير مفهوم – هو رئيس الوزراء الذي يدير مسيرة الفشل حتى تم عزل الإخوان بالكامل .

المهم، أن الاسترسال في نكث الوعود، والكذب المتتابع في أكثر من واقعة، يجعل الخوف يتضاعف، بحيث لا يكون مجرد خوف من السياسات الظاهرة المعلنة فحسب، وإنما من المجهول / المتوقع أيضا.

إنك عندما تكذب تباعا، يكون كل شيء ضدك، حتى الوهم يكون عاملا في زيادة جرعة التخويف منك، بل والتخوين ؛ لأن عدم تطابق الأقوال مع الأفعال يجعل مستوى المتوقع منك – سلبا وإيجابيا ؛ وفقا لسياق القراءة – منفتحاً على كل الاحتمالات . وهذا سياسيا، ليس في صالح من هو في أمس الحاجة إلى كسب ثقة الآخرين، بل مَن لا يستطيع الاستمرار إلا بكسب ثقة الآخرين .

5 من الأخطاء القاتلة، تلك التصريحات الإقصائية / التحريضية التي تصدر عن رموز إخوانية مسؤولة، أو رموز محسوبة على الإخوان، أو حتى رموز متعاطفة مع الإخوان، ولا يهتم الإخوان بتفنيدها، بل ولا تحديد موقفهم منها . فالشيعة – مثلا – جرى شتمهم – ببذاءة – في مجلس الرئيس ولم يعترض الرئيس، والبلتاجي والعريان يهددان ويتوعدان، ولم يصدر عن مؤسسة الرئاسة الإخوانية ما يخلي مسؤوليتها عن ذلك ..إلخ .

تصريحات العنف التي جرى السكوت عنها، وكأن مؤسسة الرئاسة الإخوانية تسير على مبدأ السفياني : لم آمر بها ولم تسؤني !.

هذا أعطى انطباعا بأن الإخوان معتدلون على مستوى الادعاء، ولكنهم إرهابيون على مستوى الممارسة، ومراوغون متذبذبون بين هذا وذاك .

ولا شك أن هذا ليس في صالح الإخوان ؛ إن كانوا صادقين في موقفهم من العنف اللفظي والعملي . وإن كانوا غير صادقين، فهو غباء في المراوغة في عصر ترصد فيه حتى الأنفاس على الناس.

كل هذه الأخطاء كانت أخطاء قاتلة . وهي التي أدت بالإخوان إلى هذه النتيجة الدامية، النتيجة التي كانوا فيها ضحايا بقدر ما هم جناة، جناة على أنفسهم وعلى غيرهم . ولا يعني هذا التشديد على الأخطاء القاتلة أن الأنظمة الشمولية القمعية هي الخيار البديل ؛ مهما حاول كثيرون وضع الأمر في هذا السياق.

لا خيار إلا خيار الحرية والديمقراطية المدنية . ولا يعني – بأي حال التأكيد على أخطاء الإخوان – الانحياز لخيارات بديلة استبدادية : أسوأ أو أعنف أو أقسى .

ورحم الله أبا الطيب المتنبي حين قال :

إليكِ فإني لست ممن إذا اتقى***عِضَاضَ الأفاعي نام فوق العقارب

——————————–
نقلاً عن الرياض

-- محمد المحمود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*