الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » نصيحة بخصوص أحداث مصر

نصيحة بخصوص أحداث مصر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وبعد: فان المسلم ليتفطر ألمّا وحسرة وحرقة لما آلت اليه الأمور بمصر المسلمة من قتل واراقة دماء للرجال والنساء والصبيان، مع تفرق وتشتت، بل أعظم من ذلك بعض هيئات الاستخفاف بالدين التي قد تصل لدرجة الكفر والعياذ بالله.

وان الغلو في الآراء الذي نراه في الساحة وفي صفحات التواصل له نماذج كثيرة مما تجاوز به كاتبوها البيان الشرعي حسب وجهة نظر القائل الى التطاول واساءة الأدب، وتحميل القول للمخالف ما لا يحتمله الكلام، فتفرقت الأمة بذلك أيما تفرق – ولا حول ولا قوة الا بالله – مما سبب ضياعا كبيرا لدى العامة، ومما أفقد كثيرا من الثقة لديهم بأهل العلم وفتح الباب لأهل الشر بالتربص بهم.

وقد حررت هذه الكلمات مما أدين الله به ابراء للذمة وأداء للواجب على حق الأخوة الاسلامية لقوله تعالى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10].

ولأن النصح حق للمسلم وبخاصة اذا استُنصِح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست: قيل ما هن يا رسول الله؟ قال: اذا لقيته فسلم عليه، واذا دعاك فأجبه، واذا استنصحك فانصح له، واذا عطس فحمد الله فشمته، واذا مرض فعده، واذا مات فاتبعه».

ولهذا أقول وبالله وحده أستعين:

إن من أصول الاسلام التثبت في خبر الفاسقين لقوله تعالى:

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَا فَتَبَيَّنُوا ان تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

وقد قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ان السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسؤولا}[الاسراء: 36].

فعلينا التحري من صحة الأخبار وبخاصة في هذا العصر مما تزيد من الشقة والفرقة بين المسلمين.

ويزاد على ذلك ما ابتلينا به في عصرنا من تفنن في تزوير الحقائق وتلفيقها بطرق تكاد لا تعرف، ومن بتر للنصوص مما هو من سمات أهل الأهواء، لذا فلنكن على حذر مما ينشر، ولا نصدق كل شيء ونوالي ونعادي ونحكم على الناس أفرادا وجماعات وحكومات بسببه، ثم لما تبين الحقائق فماذا ينفع الندم؟.

ثمة أمر آخر في الأحداث الراهنة ألا وهو ان تنزيل كلام العلماء، ولاسيما المتقدمين منهم على وقائع معاصرة خطأ محض لا ندري لو أدركها هؤلاء الأئمة لكان ربما لهم رأي فيها مغاير، لذا فلا نُقوّلهم ما لم يقولوا، ونحملهم ما لا يحتملوا، حتى لا يفهم العامة عن أولئك الجهابذة بأنهم يرون رأيا ما، وربما يكون في الحقيقة خطأ جسيما.

ولقد تعلمت في حياتي ومن مشايخي وبخاصة شيخي الامام الهمام الألباني رحمه الله التثبت في الوقائع واستفصال أهلها، وهذا ما كان عليه في كلامه في مسألة الجهاد في أفغانستان لما سألته عن ذلك وعن حكم نصرتهم، وبعد علمه واستفصاله عن حالهم مع ما في جماعات منهم من الخلط والبدع والدخن.

وان مواقف شيخنا سماحة العلامة ابن باز رحمه الله جلية في حرصه على وحدة كلمتهم وجمعهم في مكة للعهد والميثاق لذلك، مع نصحهم وارشادهم وتوجيههم في أمور دينهم.

وبخصوص وضع مصر وهيمنة الحكم الحالي عليها بأي وجه سميناها فلأهل السنة في أمثال هذا الوضع قواعد اذ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:

«وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك الا اذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث»…. فتح الباري (13/ 7).

وقال شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

«الأئمة مجمعون من كل مذهب، على ان من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الامام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الامام أحمد الى يومنا هذا، ما اجتمعوا على امام واحد، ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر ان شيئا من الأحكام، لا يصح الا بالامام الأعظم».الدرر السنية في الأجوبة النجدية (12/ 2).

لهذا فالذي أدين الله به أنه يجب التسليم للحاكم الحالي والكف عن القتال والمواجهة، واجتناب كل السبل المخلّة بالأمن والمصالح العامة للدولة، والحرص على عودة الحياة الطبيعية بكل السبل من جميع الأطراف.

وأوصي الدولة خصوصا بتعظيم الدين ومظاهره، وردع كل من يتعرض للاسلام والمسلمين، ولمظاهر الاستقامة من اللحية للرجال والحجاب للنساء، وقد قال الله تعالى:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } [الحج: 32].

ان من عوامل استقرار الأمن لكل لدول والمجتمعات الابتعاد عن كل مسببات الغلو والثأر والانتقام بسبب بعض المواقف المخلة بالدين.

وعلى الدول والهيئات الاسلامية كلها ان تتقي الله في الحرص على وقف نزيف الدماء وجمع الكلمة ولمِّ الشمل، والسعي بكل السبل لاستقرار مصر.

وعلى أهل العلم والدعاة تحمل المسؤولية بالعدل والحث على التعامل بحكمة وعقل لايقاف الدماء، وأن يكفوا عن المهيجات التي تزيد النار اشتعالا.

وأما من له وجهة نظر من بعض أهل العلم فليُبد رأيه بأدب وحكمة، بلا تهييج واثارة، وكما سلّم الله يده من قتل مسلم على يده فعليه ان يُسلّم لسانه وقلمه من ان يكون سببا في القتل والاخلال بالأمن.

وعليهم النصح للأمة وللحكام بما لهم وعليهم شرعا، وبالالتزام بشرع الله وتحكيمه في كل شؤون الحياة.

وعلى عامة الناس وأصحاب الأقلام في وسائل الاعلام من صحف وصفحات تواصل اجتماعي ترك الخوض بما يزيد في الفتن والفرقة التي لم ولن تتوقف عند مصر فقط الا ان يشاء الله ان لم نتدارك ذلك.

والله أسأل ان يحفظ مصر وأهل الاسلام فيها وفي كل مكان، وأن يجمع شملهم، ويوحد كلمتهم، وأن يعصم دماءهم. {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا ان نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}.

——————————

نقلاً عن صحيفة الوطن الكويتية

-- أ.د.عاصم بن عبدالله القريوتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*