السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التعدي على رسالة المسجد

التعدي على رسالة المسجد

ليس من مصلحة أحد أن تتحوّل المساجد إلى مكان للشحن النفسي والتوتر العصبي والخروج عن أدب الاتزان في الأقوال والأفعال، وتقاذف العبارات غير اللائقة وتبادل الكلمات الجارحة وإيذاء مشاعر المصلين، فقد عانينا بما يكفي من ترك الحبل على الغارب ومن استفادة كل مَن أراد أن يحوّل المسجد إلى ساحة سجال أو منبر للتعبير عن وجهة نظره في قضية إقليمية أو دولية.

نحن اليوم نرى اختلالاً في أمن الشرق الأوسط ونجد صراعاً مريراً في مجتمعات دول مجاورة وانقساماً حاداً وخطيراً وجسيماً، ولا نريد أن نغرق في نقاش تفاصيله ومسبّباته ومصيره النهائي، خصوصاً في مساجدنا التي كانت ملتقى لأفراد الحي حيث يصلون جماعة ويتبادلون الحديث الودي حول أخبار أسر الحي وأفراده، ويسألون عن حاجاتهم ومتطلباتهم وما يمكن أن يقدّموه لهم.

نعم، اليوم علينا الحذر من التعدّي على رسالة المسجد، فهناك مَن يريدون أن يحوّلوا المساجد ومنابر الجمعة إلى ساحات للسجال والنقاش، وهو خطر عظيم، لأنه يخرج المسجد تماماً عن مهمته الروحية، وينقل المصلين إلى تلقي وجهات النظر الشخصية في قضايا سياسية تعصف بمجتمعات ودول، وكان الأولى أن يكون الدعاء لهذا البلد بأن يبقيه الله سالماً، وأن يحفظ علينا أمننا واستقرارنا، ويجعلنا دائما نقف صفاً واحداً لأمنه، خصوصاً إزاء المرحلة التي تعيشها دول المنطقة، كما أن الأولى أن يكون الدعاء لعموم المسلمين بالسلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

إن الواجب ملقى على عاتق وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، في منع الظواهر السلبية التي بدأت تطل علينا مع اشتداد الأزمات في عالمنا العربي، لأن من حق المصلين ارتياد المساجد في طمأنينة وأداء الصلاة في سكينة.

فهناك أئمة وخطباء مساجد يخوضون في المسائل السياسية والمذهبية ويتعرّضون لأشخاص ودول وهيئات ومؤسسات دولية تصريحاً أو تلميحاً، ومن الواجب منعهم وحفظ هيبة المساجد وقداستها وتجنيبها القيل والقال والهرج والمرج، وعدم استغلال خطب الجمعة في المسائل السياسية والحزبية أو التحريض على الحكام، لأن خطبة الجمعة ينبغي أن تقتصر على الوعظ والإرشاد وتذكير الناس بأحكام الدين وفضائله وبيان أحكام الشريعة فيما يهم الناس في شؤونهم اليومية، فالمساجد مقامات روحية للتواصل مع الخالق – سبحانه – وأداء فريضته بكل السمو والإجلال.

إن للمساجد حرمة لا ينبغي تجاوزها، فالمساجد وضعت للدعوة وإقامة الصلوات والتقريب لا التفريق، وإن مما يفرق أن يتم استغلال منابر المساجد في أمور السياسة والقضايا الدولية، وهي موضوعات خارجة عن الهدف الأساسي للمساجد، حيث يتم ترسيخ القيم الإسلامية الأصيلة والمفاهيم الإيمانية الإيجابية التي تساعد على استقرار المجتمعات والإسهام في حل أزماتها ومعالجة مشكلاتها، وتعليم الناس أمور دينهم.

وإنه لأمر محزن أن نرى شبابا صغاراً متحمسين للغاية في قضايا السياسة غارقين في أحداثها وكأنهم مَن صنعها أو يستطيع تغيير مسارها، ورغم قداسة الجهاد إلا أنه أصبح ضحية لكل مَن وقع في فخ الفكر الضال ليردّد كلاماً فارغ المضمون هو للحلم أقرب منه للحقيقة. وهو باب للخطر والفتنة أكثر منه للعفاف والدعة.

إن المطلوب من الأئمة وخطباء المساجد أن يكونوا عوناً للوطن والدولة في مواجهة الأفكار الضالة الهدامة، وأن يساعدوا على بيان خطورة الانسياق خلف المنظمات والخلايا التي تُدار من قِبل الهاربين والمختفين والمندسين.

ومن واجب الأئمة وخطباء المساجد أن يساعدوا على توجيه الشباب والناشئة إلى الطريق المستقيم والصحيح، بعيداً عن الانحراف والتطرف والغلو، وأن دورهم في هذا عظيم، ليس فقط تجاه مجتمعهم، بل تجاه دينهم، فهم محتسبون في مجالهم وإن تلقوا مقابلاً مادياً، فالأجر الحقيقي من الله، كما أن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، حيث لا نزال حتى اليوم نتذكر مواعظ علمائنا الأجلاء الذين مضوا إلى ربهم وهم ينصحون ويحذرون مما نواجهه اليوم، وهو في الواقع أشد خطراً من الماضي. 

ما يعني أن مسؤولية الأئمة والخطباء في حاضرنا أشد وأعظم، لكنهما شدةٌ وعِظمٌ لا يقبلان سوى الوفاء والإخلاص في النهوض برسالة المسجد السوية على خير وجه .. لا سبيل للتخفف منها بأي حال مهما كانت التبريرات والأعذار .. 

فحرمة المساجد ورسالتها الروحية السامية فوق كل اعتبار.

—————-

نقلاً عن الاقتصادية

-- كلمة الاقتصادية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*