الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الطاعة العمياء

كان من أعظم إشكالات الجماعات الإسلامية الحركية المعاصرة مبدأ “الطاعة” في الإطار الحركي، وهي تقتضي إهدار رأي الفرد في مقابل رأي الجماعة، وهذه القضية أسهمت بشكل كبير في خلق جيل قابل للتبعية المطلقة التي تلغي الفرد وعقله وتفكيره وتجعله طيعاً لأي أمر دون أن يكون للتابع أي رأي في أي مسألة.

منذ أن بدأ حسن البنا ـ رحمه الله ـ تنظيمه السري في مصر، وخاصة حين شكّل التنظيمَ السرّيَ الخاص سنة 1948، كان الانضمام إليه يمر عبر مراحل كثيرة من الاختيار والسرية والبيعة، وتعريض العضو إلى امتحانات كثيرة تصل إلى كتابة وصيته، قبل امتحانه بعملية خاصة.

منذ ذلك الحين، والتنظيم يمر بحالة من الإغلاق الحركي الذي شكل طبيعته الحركية عبر تاريخه المعاصر، وأسهم في خلق جيل من التابعين الذين يطيعون طاعة عمياء غير مبصرة.

وهذا أحدث تململاً في أوساط هذه الجماعات، وخاصة أن الذين يقودونهم الآن قد عاصروا النشأة وتربوا على تعاليمها ولم يستطيعوا التخلص من حاكمية التنظيم وقسوته واستبداديته.

ومن يريد أن يعرف أكثر فليقرأ عن تصرفات “عبدالرحمن السندي” والخلافات التي حصلت بينه وبين الهضيبي، حول قناعته بطريقة التنظيم الخاص في إدارة الأمور وعدم مشاورته لأحد ممن كان تحت يده، حتى نسب له صلاح شادي، السبب في نكبة الجماعة، وخاصة في قضية قتل النقراشي باشا.

وحتى لا نغالط أنفسنا، فإنه لا بد من التأكيد على أنه لا يمكن نجاح أي تنظيم سري سواء كان دينيا أو وضعياً إلا بالأدلجة، والأطر الحاكمة والطاعة المطلقة الشبيهة بالأوامر العسكرية.

وهذه هي طبيعة الحركات الجماهيرية الثورية، التي تعتمد على استقطاب أناس يحملون صفات خاصة قادرة على التواؤم مع الأوامر بلا إعمال للعقل.

وقد بين أريك هوفر في كتاب: “المؤمن الصادق” علامة هؤلاء المستقطبين وصفاتهم النفسية والاجتماعية، والتي تسعى الحركات إلى ضمهم في صفوفها وطرد من لا يتوافق معها عبر سلسلة من الفحص والتدقيق في هذه الصفات.

إلا أن الانتماء لهذه الحركات ليس دائماً يخضع للقناعة الأيديولوجية والفكرية، بل إن الكثير من هؤلاء يتمحورون حول مصالحهم الخاصة التي تقدم على القناعة.

فالكثير من الجماعات الحزبية تقدم لأفرادها الكثير من الامتيازات والمصالح، التي تجعله يرتبط بهذا التنظيم ويكون في امتحان صعب، فإما أن يحقق ذاته واستقلاليته ويضحي بمصالحه، أو يكون محصوراً في إطار التنظيم حتى لو لم يكن مقتنعاً كيلا يفقد مصالحه المعنوية والمادية.

وهذا امتحان ـ بلا شك ـ صعب يحتاج لنفس شفافة وقوية ومضحية، تقدم قناعاتها وإيمانها على مصالحها العاجلة التي يمكن للفرد أن يعوضها بالطرق المشروعة ليحقق آدميته واستقلاله.

إن خطورة التنظيمات الحركية تظهر حين تأتي المشكلات الكبيرة التي تواجه المجتمعات.

وعندها تكون قرارات الجماعة وأتباعها في يد مجموعة من القادة الذين لا يرون في الأتباع إلا أدوات لتحقيق المصالح الحزبية حتى ولو كان ذلك على حساب دمائهم أو سلامة مجتمعهم.

فيقدمون هؤلاء الأتباع قرابين لمصالحهم الخاصة، ولا يكتشف الأتباع المشكلة إلا حين يفر القادة من المواجهة ويتركون الأتباع يواجهون مصيرهم الخطير.

فيبدأ التابع في مراجعة شاملة لمسيرته الحركية التي تنكشف في الاحداث وتبدأ حركة التصحيح وتعديل المسار.

إن الفرصة الآن مواتية لهذه الحركات أن تعيد ترتيب أوضاعها مع مجتمعاتها، وأن تتيح للشباب في صفوفها فرصة النقد والمراجعة، وأن تترك ازدواج الهويات التي منيت بسببها في كثير من المواقف، وأن تعمل على خدمة الصالح العام من خلال إطاره السياسي بعيداً عن أحلام الأممية، وترشح الواقعية بدلاً من المثالية في حركتها.

ولتعلم أنه لا يمكن أن تدعو للعدل وتقيمه ـ في الواقع ـ إن لم تمارسه هي في نفسها، وذلك من خلال ترك الناس يختارون طريقهم، ويتركون استبداديتهم المغلقة.

فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يحكم العدل بنفسه فلا يمكن أن يهبه للآخرين.

————————-
نقلاً عن الوطن أونلاين

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*