الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » السعودية تغيير بلا فوضى

السعودية تغيير بلا فوضى

تخوض المملكة العربية السعودية ثورتها في هدوء تام وبعيدا عن صخب الشعارات وأضواء الكاميرات ولا حتى المسيرات المليونية التي أغرقت كثيرا من الشعوب العربية في الفتن الماحقة والصراعات الدموية والحروب المدمرة . 

فالسعودية تخوض ثورة وفق مبدأ واضح يعيه الصينيون ويعملون به كحكمة بليغة وواقعية ، إنه مبدأ “مسافة الألف ميل تبدأ خطوة” . 

وقد أثبت “ثورات الربيع العربي” أن التغيير الفجائي بدون مقدمات ولا تهييئة ولا إعداد هو بمثابة طوفان يغرق الوطن في فوضى ويعصف باستقراره ، بل يجعله محرقة للجميع . 

إذ لحد الساعة ، وبعد مرور أزيد من عامين ، لم تقدم ثورة “الربيع” مكسبا واحد ، بل الذي وقع هو التراجع الفظيع عن كل المكتسبات التي كانت مضمونة ، ولو على تواضعها ، لكل الشعب . 

فتغيير المجتمعات نحو الأفضل لا يتم بالطفرات . 

يمكن تغيير الأنظمة السياسية لكن لا يمكن تغيير المجتمعات بثقافتها وقيمها وعاداتها . 

والخطوات التي تخطوها المملكة العربية السعودية تثبت صحة الحكمة الصينية أن قطع مسافة ألف ميل تتم خطو خطوة وليس بحرق المسافة والقفز الطولي الذي قد يعرض صاحبه للإصابة بالكسر أو الإعاقة أو أدناها السقطة التي تفقده التوازن والقدرة على المواصلة . 

وهو نفس المبدأ الذي صاغه المثل العربي “عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة” . 

الثورات تعد ولا تقدم شيئا . 

فالمجتمع السعودي ، وفي هذه الفترة التي انفجرت فيها الثورات استطاع أن يقطف ثمار ثورته الهادئة بقيادة خادم الحرمين الشريفين . 

ومن أبرز وأهم تلك الثمار : 

تعيين خُمس مجلس الشورى من النساء . 

وهذه بحد ذاتها ثورة حقيقية في ذهنية المجتمع قبل أن تكون تغييرا تقنيا ؛ وقبل هذا فُتح المجال للمرأة كمذيعة ومنشطة برامج تلفزيونية رغم المعارضة الشديدة للمحافظين . 

ونفس الثمار قطفها المجتمع بنسائه فصار لهن الحق في النزول بالفنادق دون مرافقة المحرم . 

ولما ألف المجتمع السعودي تغييرات من هذا النوع الجوهري التي تمس ذهنيته ،   أقرت المملكة العربية السعودية مواد قانون يدين ويعاقب على كل أنواع العنف الجسدي والنفسي والجنسي وكل أشكال الاستغلال الإنساني. 

هكذا يظهر التدرج في التغيير ، من تكريس إنسانية المرأة وحقها في تقرير مصير الشعب والتعبير عن تطلعاته والتشريع له ، إلى تكريس كرامتها . 

وهذه سابقة تعد الأولى في البلاد التي كان تناول هذه القضايا فيها من المحرمات ، إذ كان العنف الزوجي مسألة تدخل ضمن إطار الحياة الخاصة . 

واليوم ، وبعد أن تبنت المملكة ، في 26 آب/أغسطس 2013 أول قانون في تاريخ البلاد يدين ويعاقب سوء معاملة الزوجة ، ستجعل المجتمع يناصر المرأة ويدعم جهود الدولة في حماية النساء .

وأهمية القانون الجديد أنه يعاقب كل من يمارس العنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي داخل بيت الزوجية أو في أماكن العمل. 

وعقوبة أي شخص يهدد أو يضرب امرأة قد تصل إلى سنة سجن وإلى غرامة قد تصل إلى 13 ألف دولار. 

والمدان الذي يعاود فعلته قد يحرم أيضا من حق رعاية أطفاله. 

لم يعد العنف فقط الاعتداء المادي والجسدي على النساء ، بل أيضا وأساسا العنف النفسي . 

فكل البلدان العربية ، سواء التي عرفت الثورات أو لم تعرفها ، لا توجد بها قوانين تعاقب على العنف النفسي ضد الزوجة . 

وهذا القانون سيخلق رجة في الفقه التقليدي الذي يبيح ضرب الزوجات الناشزات ، بينما القانون الجديد يمنع هذا ويعاقب كل زوج أباح لنفسه تعنيف زوجته . 

ستواكب هذا القانون اجتهادات فقهية نيرة ترقى بالفقه الإسلامي إلى الإقرار العملي بكرامة المرأة . 

وهذه الخطوة الجبارة ما كان ممكنا تحقيقها لولا التؤدة والحكمة والواقعية التي تطبع أسلوب خادم الحرمين الشريفين في إدارة البلاد . 

وأهمية هذا القانون الجديد ، أنه يدعو كل شخص لديه معلومات عن حالات عنف إلى إبلاغ الشرطة أو وزارة الشؤون الاجتماعية . 

بمعنى أن المرأة ليست وحدها مسئولة عن التبليغ عن العنف الذي تتعرض له ، بل كل مواطن أو مواطنة علما بممارسة العنف أو حالات تعرضت للعنف ولم تستطع التبليغ عنه لسبب أو لآخر ، عليهما إبلاغ الجهات المختصة . 

وبهذا تكون السعودية قد فتحت باب إشراك المواطنين في حماية المرأة من كل أشكال العنف .

وقد رحبت الجمعيات التي تدافع عن حقوق المرأة بهذا القانون مشيرة إلى ضرورة تأهيل المحاكم ورجال الشرطة لحسن تطبيق القانون الجديد.

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*