السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تنظيم الإخوان الدولي.. مبعوث السياسة الأمريكية

تنظيم الإخوان الدولي.. مبعوث السياسة الأمريكية

كان متدينا، نشأ في أسرة متدينة، أحب دينه وتمنى له أن يسود، وبعد أن اشتد عوده أنشأ حركة سياسية لها خلفية دينية، قال في رسالة له في أحد المؤتمرات «نحن لا قومية لنا إلا قومية الدين، ولذلك ينبغي أن نقيم لديننا دولة ومن بعدها ننطلق إلى العالم لنسيطر عليه ونحصل على أستاذية العالم.

ومن بعده تتبعه أتباعه في فكرته وسعوا إلى تنفيذها، ثم وضعوا أيديهم في يد الغرب ليمكنهم من الحكم.

ولم يمانع الغرب في ذلك لأنه كان يود التخلص منهم إذ تجمعوا في أمريكا وأوروبا وأزعجوهم إزعاجا كبيرا.

وفي طريقتهم لحياتهم اعتبروا أنفسهم أصحاب النقاء العقائدي، إيمانهم يختلف عن إيمان قومهم، هم فقط أصحاب الجنة، أما من عداهم فهم من أهل النار، ظنوا أنهم أهل الله وخاصته وشعبه، فأجازوا لأنفسهم الكذب على غيرهم، والخديعة، وظلوا في حركتهم السرية حتى بعد أن حكموا.

ذلك أن الحركة السرية هي أساس وجودهم، وفي أدبياتهم لا ينبغي أن ينتهي التنظيم السري إلا بعد أن يصلوا إلى حكم العالم كله.

وقتها لن يكون لهم حاجة للتنظيم السري، وفي طريقتهم لحياتهم أيضا كانوا لا يتزوجون إلا من أنفسهم، وتميزوا بأنهم أصحاب دائرة مغلقة. 

فإذا تخرج الواحد منهم تزوج من واحدة من جماعته، واشتغل لدى شركة أو مستشفى أو مكتب محاماة، أو مكاتب هندسية، مملوكة لواحد أو لمجموعة من قيادات تنظيمه، إلا أن الهدف الرئيسي لهذا التنظيم هو جعل تنظيمهم دوليا، يمتد إلى كل بقاع الأرض.

لا تفكر كثيرا في العبارات السابقة، إذ إنني لم أكن أتحدث عن جماعة الإخوان، ولكنني كنت أتحدث عن حركة الصهيونية العالمية، وتنظيمها السري ، فهذه هي أفكارها وهذا هو منهجها، أما مؤسسها فهو تيودور هرتزل الذي عقد عدة مؤتمرات لتنظيمه ألقى فيها دروسه، وأوضح فيها منهجه، وشرح فيها كيف سيصبح تنظيمه عالميا، وكان المؤتمر الأول له في مدينة بازل بسويسرا، ثم توفي وهو في بداية الأربعينيات من عمره!

هذه مقاربة تبين مدى تقارب التنظيمات الحركية السياسية التي تُحوِّل الدين إلى ملكية خاصة لبعض الناس، وحركة سياسية لها نبيها الخاص الذي يصلون في تقديسه إلى درجة تقارب تقديس الأنبياء أو أكثر.

فإذا أردنا أن ندخل إلى عالم الإخوان سنقول إن هناك حقيقة تاريخية غير قابلة للإنكار، هي أن حسن البنا حين أنشأ جماعته لم يكن ينوي جعلها قاصرة على مصر فقط، ولكنه كان ينشئ منذ البداية تنظيما دوليا تغيب عنه فكرة الوطن.

حيث يتحول التنظيم على يديه إلى وطن يمتد في عديد من بقاع الأرض توطئة للسيطرة على العالم كله تحت راية حسن البنا.

من أجل هذا أطلقتُ على تنظيم الإخوان في بعض ما كتبته اسم «دولة الإخوان غير المنضمة لمنظمة الأمم المتحدة والمتحالفة مع مجلس الأمن فيها».

وقد بدأ حسن البنا خطواته ناحية تكوين تلك الدولة بعد أشهر من تكوين جماعته حينما أرسل مبعوثين منه لفلسطين واليمن وسوريا ولبنان من أجل نشر تنظيمه في هذه البلاد.

وكان عبدالرحمن الساعاتي شقيق حسن البنا هو أول مبعوث تطأ أقدامه أرض فلسطين حيث تقابل مع الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين ودعاه للانضمام إلى الجماعة، وجعلها راية المقاومة ضد عصابات إسرائيل التي كانت تحط رحالها هناك.

ثم ذهب عبدالرحمن الساعاتي بعد ذلك إلى دمشق وهناك اجتمع مع بعض الشخصيات الإسلامية في المسجد الأموي وشرح لهم فكرة تنظيم الإخوان ودعاهم إلى الانخراط فيه والعمل تحت قيادته.

وبعد أن تشعبت الجماعة خارج مصر أنشأ حسن البنا عام 1934 شعبة في الجماعة سماها «شعبة الاتصال بالعالم الإسلامي» وكان لهذه الشعبة الدور الأكبر في استغلال موسم الحج السنوي لتجميع الشخصيات الدينية وضمها للجماعة.

وكانت الفكرة الجاذبة التي استخدمها البنا لمد التنظيم خارج مصر هي فكرة «استعادة الخلافة» وبها أخذ يداعب المشاعر ويُخضع القلوب.

وفي تاريخ البنا نقطة يعتبرها الإخوان هالتهم المضيئة نحو عالمية التنظيم، إذ يقولون إن حسن البنا عندما ذهب للحج عام 1936 عرف أن مؤتمرا يُعقد في نهاية موسم الحج يسمى «مؤتمر الشباب العربي السعودي» وأنه ذهب ومجموعة من الإخوان لهذا المؤتمر.

وبعد أن ألقت الوفود الرسمية كلماتها تقدم حسن البنا للمنصة فأفسحوا له الطريق «لمهابته ووقاره» وألقى كلمته التي كانت محط إعجاب الحاضرين، وكانت -كما يقول الإخوان ـ الكلمة الوحيدة التي أيقظت الهمم -التي يصورونها على أنها كانت نائمةـ !!.

وكما يقول الإخوان في جريدة الإخوان الأسبوعية في عددها الرابع إنه لم يأت عام 1937 إلا وأصبحت لجماعة الإخوان فروع في 11 دولة منها «الحجاز والشام وفلسطين والمغرب العربي واليمن وجيبوتي».

وإذ أصبحت هذه الشعبة ذات تأثير جعلها البنا أحد الأقسام الرئيسية للجماعة وسماها بذات الاسم «قسم الاتصال بالعالم الخارجي» وكان المسؤول الأول لهذا القسم هو الأخ عبدالحفيظ سالم الصيفي الذي كان عضوا في مكتب الإرشاد وقتها.

وحين نشأ هذا القسم قام رئيسه عبدالحفيظ الصيفي بإنشاء عدة لجان، اللجنة الأولى هي لجنة الشرق الأدنى وتضم الدول العربية والدول الإفريقية الإسلامية.

واللجنة الثانية هي لجنة الشرق الأقصى وتمثل دول شرق آسيا ووسطها، واللجنة الثالثة أطلقوا عليها لجنة الإسلام في أوروبا وأمريكا.

اتسع نشاط هذا القسم اتساعا كبيرا، وعلى مدار سنوات استطاع الإخوان مد أنشطتهم إلى بلاد مختلفة، ولكن الكيان الكامل للتنظيم الدولي للإخوان لم ينشأ إلا على يد الرجل الصامت «أبو هاني» الذي كانوا يلقبونه في الجماعة بـ «الصقر».

فبعد سنوات طويلة من إنشاء هذا القسم جاء الرجل الذي حوله من قسم إلى دولة تضم في طياتها كيانات الإخوان في كل العالم.

وقبل أن يصدر السادات قرارات الاعتقال للرموز السياسية في سبتمبر من عام 1981 حدث أن اتصل بعض الجواسيس المندسين في قلب الحكم، بالرجل الملقب بالصقر «أبو هاني» وأخبروه أن اسمه سيرد في قرارات اعتقال على وشك الصدور.

أخفى «أبو هاني» الخبر عن الجميع حتى عن إخوانه في التنظيم، وجمع حاجياته على عجل، وغادر البلاد إلى اليمن ثم الكويت ومنها أخذ يجوب بلاد العالم من شرقه إلى غربه في رحلة استمرت عدة سنوات كان هدفها الرئيسي إنشاء كيان التنظيم الدولي للجماعة.

كان مصطفى مشهور هو الصقر الذي طار من فوق قمة جبل التنظيم ليبحث لجماعته عن أعشاش تؤويها في أوروبا وأمريكا، كان هو «أبو هاني» الذي أنشأ هذا الكيان بشكله الحديث، وما إن جاء عام 1983 حتى وضع مصطفى مشهور لائحة للتنظيم الدولي للجماعة.

وقد ساعده فيها مهدي عاكف الذي كان وقتها مسؤولا عن الإخوان في ألمانيا، وفي هذه الرحلة استطاع مشهور ضم بعض الشباب إلى جماعته، وكان منهم محمد مرسي -من أمريكاـ وخيرت الشاطر -من لندن- وغيرهما.

وأصبح كل مسؤول عن أي تنظيم من تنظيمات الإخوان في أية دولة من الدول يسمى المراقب العام للجماعة، وسمح مشهور لكيانات الجماعة أن تطلق على نفسها أسماء تتوافق مع ظروف الدول التي نشأت فيها، ومن بعدها تم تكوين مكتب الإرشاد الدولي الذي يرأسه دائما مرشد الإخوان في مصر ويضم مجموعة من قيادات الإخوان من غير المصريين.

وأذكر أن بعض مراقبي الإخوان في البلاد العربية والأوروبية كان منهم قيادات أصولهم مصرية مثل الراحلين الشيخ مناع القطان الذي كان مسؤول الإخوان في المملكة العربية السعودية، والشيخ حسن أيوب في الكويت، والأستاذ عبدالمتعال الجابري في أمريكا.

ومن وقتها درجت الجماعة عند اختيار المرشد العام للإخوان في مصر على أن يتم إعلام المراقب العام للإخوان في كل دولة من الدول التي فيها تنظيمات للإخوان كي يقوم هذا المراقب نيابة عن الإخوان في بلده بإعطاء البيعة لهذا المرشد الجديد.

ومن خلال هذا التنظيم الدولي استطاعت الجماعة أن ترتب أوراقها وتعقد صفقاتها مع الغرب من خلال أجهزة المخابرات والمراكز البحثية، وحين حدثت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا، تلك التفجيرات التي أفزعتهم وأقلقت مضاجعهم،كان هناك قرار أمريكي وبريطاني بتصدير الإرهاب إلى البلاد العربية.

من خلال التنظيم الدولي، وكأن لسان حال الغرب يقول: «فلنضعهم في بلادهم كحكام فتنشأ بينهم الخلافات على أساس عقائدي وينشغلون آنذاك عنا بهذه الخلافات، ومن خلالها أستطيع أن أقسمهم وأفتتهم، وأصنع على عيني شرقا أوسطيا جديدا، يقوم على الفوضى المنظمة.

وبهذه الفوضى أقوض بسهولة مذهلة بنيانهم وأستولي على ثرواتهم، وليساعدنا في ذلك التنظيم الدولي للجماعة الذي ينتظر لحظة سانحة يحكم فيها، وسيعيشون -كما عاش اليهود- على وهم أن هذه الجماعة هي شعب الله المختار، والتنظيم الدولي هو مبعوث العناية الإلهية، ولكنه في الحقيقة سيكون مبعوث أمريكا العظمى».

وذات يوم عندما استطاع الإخوان بمساعدة أمريكا الوصول للحكم في مصر، ظنوا أن مصر خضعت لهذه الجماعة، إذ كان الناس ينظرون لها على أنها جماعة مضطهدة تريد رفع الراية الإسلامية وتطبيق الشريعة.

ولكن حدث لهذه الجماعة ما لم تحمد عقباه، فلا هم ولا الأمريكان استطاعوا قراءة الشعب المصري قراءة صحيحة.

فالشعب المصري من الشعوب الصبورة الهادئة، استمد شخصيته من نهر النيل الذي يسير على صفحته هادئا رقراقا، ولكنه عندما يفيض لا تستطيع قوة إيقافه. والشعب المصري يثور دائما وسريعا ضد من يخدعه.

وقد شاءت إرادة الله أن يفضح الإخوان أنفسهم بسلوكهم في الحكم فلم يطق الشعب عليهم صبرا فأسقطهم.

هذا السقوط لم يترتب عليه سقوط الإخوان في مصر فقط، ولكن التنظيم الدولي كله قد سقط مع الجماعة الأم.

ولكن التنظيمات الكبيرة المتشعبة إذا ما انهارت فإنها لا تقع مرة واحدة ولكنها تنهار على مهل.

والتنظيم الدولي الآن سيبدأ في السقوط، جماعة الإخوان ماتت، ولا مستقبل للميت.

————

نقلاً عن الشرق

-- ثروت الخرباوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*