السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » سلبيات "العصر الرقمي" على التحصيل

سلبيات "العصر الرقمي" على التحصيل

أفرز هذا العصر من السلبيات ما يتطلب منا التوقف طويلاً بالبحث والدراسات العلمية، والرؤى المستقبلية الفاعلة ما يمكننا من توقع المشكلات والسلبيات وتجنب آثارها بدلاً من الانتظار حتى حدوث تلك المشكلات ثم التحرك بردود أفعال قد لا تكون بالقدر الكافي أو قد تكون متأخرة.

من تلك الإفرازات ما خلفته مواقع التواصل الاجتماعي “تويتر والفيسبوك والانستقرام” وغيرها من تعويدٍ على مستخدميها وخصوصاً الأطفال والشباب على قراءة وكتابة نصوص قصيرة (140 حرف في تويتر مثلاً)، مما ترك آثاراً شديدة السلبية على عدم القدرة على تحمل قراءة نصوص طويلة وكتابة مواد طويلة ومقالات وأبحاث.

ولم يعد هؤلاء الأطفال والشباب قادرين على اقتناء الكتب وقراءة المواد الطويلة منها أو من أجهزة حاسباتهم؛ مما يجعل هذه السلبية تنتقل إلى مدارسنا وجامعاتنا التي يدرسون بها ليصبح من الصعب جداً عليهم القراءة من المقررات المدرسية أو من الكتب التي تقررها أقسام الجامعة.

وهذا ما نلحظه الآن من أبنائنا الذين يميلون إلى الملخصات القصيرة جداً بحيث تجدهم يذاكرون ليلة الاختبار النهائي في أوراق لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة لمنهج هام وطويل تتعدى صفحاته مئات الصفحات، هذا التوجه عززه وللأسف الشديد عالم التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي وهو مفهوم خطير جداً.

الآن، هؤلاء الأطفال والشباب لا يرغبون في قراءة وكتابة مواد طويلة، وهم مستقبلاً لن يستطيعوا قراءة الأبحاث الطويلة التي تحمل العلم، يريدون علماً على غرار الواجبات السريعة، علم في حجم وجبات تويتر (140 حرفاً) ويقرؤونه في ربع دقيقة.

هذا شيء خطير يحدث في العالم، وأقول هذا الكلام على مسؤوليتي الشخصية، والعالم سيعاني بسبب هذا الشيء إن لم نبادر بالدراسة والبحث لهذه الظاهرة الخطيرة.

أريد من كل واحد منكم أن يجرب أن يعطي ابنه أو ابنته أو أخاه أو أخته صفحة أو صفحتين مرتين أو ثلاث مرات تحمل علماً نافعاً أو فكرة جديدة أو حلاً لمشكلة ويطلب منه قراءتها.

قد يجامل للمرة الأولى أو الثانية إلا أنه لن يستجيب في المرات القادمة.. وقد يرفض بعضهم من المرة الأولى، وقد يماطل آخرون على أمل أن تنسى الأمر. إننا نعيش مشكلة حقيقية سيكون لها مردودها السيئ على التعليم والتعلم وتحصيل أطفالنا وشبابنا.

هكذا أرى الأجيال القادمة، نحن نجري وراء معارض الكتب ونشتري الكتب، وكنا نوفر من مصروفنا لشراء الكتب والمجلات ونقرأ المواد الطويلة ونستمتع بقراءتها وأفكارها ونتحدث إلى بعضنا البعض حتى يسعى كل منا إلى اقتناء مادة جديدة، كتاب أو مجلة لنتباهى بالحديث عنها. 

ونجد أن كلاً منا قد فعل نفس الشيء ويكون حديثنا علمياً مثيراً، وكنا نلخص بعض ما نقرأ، لنقرأه في طابور الصباح أو بعد صلاة الظهر التي يحل وقتها ونحن في المدرسة، ونتنافس على ذلك، وأطفالنا اليوم وشبابنا يتنافسون على كتابة “تويتة” وأصبح هذا كل همهم.

والسؤال الكبير إلى أين سيأخذنا كل ذلك؟ ليس لدي إجابة على هذا السؤال لأنه سؤال يحتاج إلى دراسات وأبحاث في عمق هذه الظاهرة (المشكلة) والخروج بحلول علمية مبنية على دراسة الواقع باستخدام عينات ممثلة وبأعداد كبيرة تمثل كل شرائح الطلاب منذ المرحلة الأولى وحتى المرحلة الجامعية. 

لابد أن نكون أذكياء وتكون لدينا رؤية صحيحة لما سيجري، ونتوقع المشكلة وندرسها ونوجد الحلول التي تعمل على القضاء على هذه المشكلة، هل نسمع الآن من أطفالنا وشبابنا أنهم قرأوا هذا الكتاب أو تلك الرواية؟ 

هل نسمع من شبابنا الآن أنهم اقتنوا تلك المجلة أو الدورية المتخصصة، وتحدثوا عن محتوياتها أو عن ما لفت انتباههم فيها كما كنا نفعل؟ 

صحيح أنه حتى في العصر القديم أن هذا الأمر قد يكون قليل الحدوث لكن المشكلة أن هذا ينسحب على المقررات الدراسية في التعليم العام والجامعي، الانجراف الهائل وراء تويتر وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي يجعل الأطفال والشباب ينجرفون وراء المواد القصيرة ويعتادونها ثم تصيبهم بعدوى التعلق بهذا النوع من المواد ورفض ما سواه. هذه ليست نظرة تشاؤمية بل نظرة حقيقية للواقع، وقراءة دقيقة وعميقة له.

كم نسبة الذين نعرفهم في بيوتنا أو في بيوت أقاربنا نراهم يمسكون بكتاب أو مجلة أو يقرأون مواد طويلة في حاسباتهم؟ تقريباً لا أحد! هذا مؤشر للمشكلة وينسحب على بقية أطفالنا ومجتمعنا وأظن حتى في مجتمع العالم بأسره. إنها ضريبة التقنية والعصر وإفرازاتها .. والحل؟

الحل أن نبدأ في قراءة المجتمع ونعرف تحولاته، هذا مهم، ومهم إلى أبعد الحدود.

والمشكلة أننا لم نتنبه لهذه المشكلة إلى الآن ولم نتحدث عنها، لا بد من حل يعرض لنا التصالح مع عصرنا، والتعامل مع مشكلاته وإفرازاته، ونستمر في مراقبة الظواهر والإفرازات ونتناولها بالبحث والدراسة.

أعرف أن لدينا مشكلتين في هذا الأمر: 

الأولى أنه ليس لدينا ثقافة البحث عندما نواجه مشكلة ونميل إلى الأسهل من الطرق لحلها: اجتماع.. ونتحدث من أعلى رؤوسنا ونعتقد أننا وصلنا إلى الحل ونحن لم نصل إلى أقل جزء منه.

والثانية: عدم وجود رؤية لدينا نتوقع من خلالها مشكلاتنا القادمة لنتناولها بالبحث والدراسة لنتفادى سلبياتها ونأخذ جانب الوقاية لا جانب العلاج، ولهذا السبب وللأسف نتعامل مع قضايانا بردة أفعال إما أن تكون متأخرة أو بعد أن ندفع ثمناً غالياً فيها بشكل أو بآخر.

والذي أعرفه تمام المعرفة أننا لا بد أن نخضع للعصر فهو كالسيل الذي لا يمكن صده، ولا يمكن للعالم القديم مواجهته، هل هذا يعني أن العالم اليوم سيضطر إلى تقديم العلم في وجبات سريعة وكبسولات لا تتعدى 140 حرفاً؟ 

لا أدري، عن طريق دراسة هذه الظاهرة والمبادرة السريعة بذلك وتقديم الحلول يمكننا تلافي الخواء الذي سيصيب أطفالنا وشبابنا في تعلمهم وتعليمهم وتحصيلهم، والسؤال الكبير الثاني: هل سنستجيب؟ 

وهل سيحرك هذا النداء من منبر “الوطن” من يهمه الأمر باستجابة سريعة لمناقشة الأمر وتناوله بالدراسة والبحث؟

————————

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- علي الخبتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*