الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أخَلِيْقَةٌ أوْضَاعُنا أم هي مَكِيْدَةُ ماكِرٍ..؟!

أخَلِيْقَةٌ أوْضَاعُنا أم هي مَكِيْدَةُ ماكِرٍ..؟!

خْطئ كثيرٌ من مُفَلْسِفي التاريخ، حين يقطعون بأن الإسلام انتشر بالسيف. وتلك من مفتريات المستشرقين التي صدَّقها المغفلون. 

الإسلام انتشر باللسان، والسنان، والأسوة الحسنة. والحكَّام الحكماء، يُقدرون، ويدبرون، ومن ثم لا يضعون السيف في موضع البلاغ: 

[وَوَضْعُ النَّدى في مَوْضِع السَّيْفِ بِالعُلى**مُضِرٌّ كوضعِ السَّيفِ في مَوْضِع الندى]

وما أضر بالإسلام إلا اختلال الموازين. جِيْل السَّنوات الخدَّاعات ضَرَرُهم أكبر من نفعهم، ذلك أنهم لا يتمثلون الإسلام، لا في أنفسهم، ولا في تعاملهم. يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. 

لقد جاء الإسلام نعمةً مهداة، ورحمة مسداة. ولما لم تَسْتَوعِب الدهماءُ تلك السِّمات، تحول بممارسة المنتسبين إليه إلى ما نحن عليه. 

هذه الصورة السيئة التي قدموها عن العالم الإسلامي للعالم المادي، أوقف المد الإسلامي، وأذكى روح العداوة والبغضاء فيما بين المسلمين، وفيما بينهم و بين غيرهم. 

ولما كان العالمُ الإسلاميُّ عالماً ثالثاً، أو نامياً، أو متخلفاً صفر اليدين من المكتشفات الحديثة، والعلم التجريبي، عاجزاً عن تأمين حاجاته الضرورية، فاشلاً في السياسة، مخفقاً في التأسيس للمجتمع المدني، متمرداً على الدساتير والقوانين التي أنشأها بطوعه واختياره، محاكياً أو مبادراً، أصبح المسلمون قابلين للتبعية، محكومين ممن يملكون زينة الحياة الدنيا، ويعلمون طاهراً منها. 

وأصداء المَدِّ الإسلامي في عهود الازدهار، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وأصداء الحروب الصليبية، لما تزل حاضرة الرجل الأبيض. 

هذا الخوف المبرر جعل الغرب يراقب المارد الإسلامي المستكين، ولا يتيح للمسلمين فرصة التفكير في صناعة الذات، والعودة إلى الشِّرْعةِ والمنهاج الرباني، وفق المقاصد الإسلامية. 

ومن عجب أن ينكر التبعيون تلك المراقبة الدقيقة، فيما يُضَخِّمها المُتَحمِّسون، ليُحَمِّلوا غيرهم جرائرهم. والغرب الغازي المتآمر، يكيد للإسلام والعروبة، ويتفنن في لعبه المُصْمِية. ومقاربة مكائده تكشف عن عداوة ومكر لا يبور، وممارسات الإسلاميين غير السَّوِيَّة هيأت الأجواء الملائمة لمزيد من الإذلال. 

المسلمون اليوم غثاء كغثاء السيل، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ويخشون الناس، والله أحق أن يخشوه. جهلة يَدَّعون العلم، واتكاليون يَدَّعون التوكل، ومتفرقون يَدَّعون الاعتصام بحبل الله، عَصَوُا الله، فسلط عليهم أعداءهم، وجعل بأسهم بينهم شديد، إلاّ مَنْ رحم ربك، وقليلٌ مَّا هم، و هذا القليل هم الأمة المنصورة، كما أخبر الهادي الأمين، جعلنا الله محبين لهم، محشورين معهم: 

[أحب الصالحين ولستُ منهم***لعلي أن أنال بهم شفاعة]

يُرْوى أن أحد الأسرى العرب، قال لأحد زعماء اليهود: إننا سنقتلكم شَرَّ قِتْلة بعد تجمُّعكم في فلسطين، وأن الشجر والحجر سيقول للمسلم: هذا يهودي ورائي، تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد، الذي تقومون باستنباته في أرضنا، هكذا أخبر من لا ينطق عن الهوى. فقال له اليهودي: نعلم ذلك، ولكنكم لستم المسلمين الذين يستحقون هذا الوعد. 

فهل وعينا عيبنا، وتلافينا أخطاءنا؟. 

اليهود يعرفون الإسلام الفاعل، ويعرفون المسلمين الصادقين في إسلامهم، المتمثلين لمقاصده. ولو كان المُسْلِمون كما تركهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- لنُصِروا بالرُّعْب مسيرة شهر. 

واستبعاد العواطف الجياشة، وقراءة أحوال المسلمين على ما هي عليه، تشي بأن الإسلام الحقيقي مغيب، ولم يبق منه إلا شعارات وشعائر، تُحَرِّض الأعداء، ولا تَشُدُّ عَضُدَ الأتباع. 

والذي أردى المسلمين أخلاقٌ زائفة، ومكائدُ أعداءٍ مُحْكَمة. والمسلمون لم يتخلوا عن تلك الأخلاق، ولم يتصدوا لأولئك الأعداء، بل ظل بعضهم يَضْرِبُ رقاب بعض. 

ولقد تَحْمِلُ هذه الأوضاع المُتَرَدِّية الشباب المثالي، و من يعبدون الله على حرف على التخلي عن الإسلام، إذ كيف لشاب مثالي أن يحتمل مثل هذه الأوضاع. 

أمم كافرة، متفوقةٌ في أنظمتها، وقوانينها، ودساتيرها، قويَّةٌ في صناعاتها وتقانتها، مُرْهِبة بقواتها الدفاعية والهجومية، تحكم الفضاء الفسيح بأقمارها و طائراتها.

وتحكم البحار العميقة بغواصاتها، وتحكم اليابسة الشاسعة بِدَبَّاباتها وراجمات صواريخها. 

تحترم إنسانها، وتُسَلِّم لإرادة شعوبها، وتُذْعِن لصوت لناخب، وإن كان الفائز عبداً حبشياً، كأن راسه زبيبة، فيما لا يكون شيء من ذلك في عوالمنا. 

العالم الإسلامي عالم متخلف: حسياً ومعنوياً، متفرق في دياناته، وأعراقه وأقاليمه، ومصالحه، وأحلافه. 

حتى لقد بلغ الأمر في مناطق التوتر أن يُقْتل المُسْلمُ على هويته الطائفية، فيما يظل اليهود يسرحون، ويمرحون، ويذلون المواطن الأصلي. 

سَأَل مفكرٌ غَرْبيٌّ عالِمًا إسلاميا: ما أهم الخلاف بينكمَ وبين الشيعية ؟ 

قال:هم يرون [عليا] أحق بالخلافة، ونحن نرى [أبابكر] أحق بها. 

فقال الغَرْبِي، وهو يحاوره: وهل عليٌّ وأبو بكر على قيد الحياة ؟ 

قال:- لا ماتا قبل أربعة عشر قرنا. 

فضرب كفا بكف، وولى، وهو يردد: أضعتم إسلامكم، وأذهبتكم ريحكم، وهيأتم أنفسكم للعبودية باختياركم. 

هذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر. 

إن العالم الإسلامي يُقَدِّم للعالم المادي بهذه الأخلاقيات صورةً سيئةً تنفر الباحثين عن الحق. 

فـ[سلمان الفارسي]رضي الله عنه، بوصفه رائد الباحثين عن الحق. لم يجده إلا في ظل الإسلام، ولو أن باحثا عن الحق اليوم زار العالم الإسلامي، وشاهد أوضاعه، وأخلاق أهله، وممارساتهم لما اختار الإسلام. 

يُرْوى أن غَرْبياً قرأ عن الإسلام فأسلم، ولما اختلط بالمسلمين أصابته نوبة من الإحباط. 

وقال: قرأت عن الإسلام، فأسلمت، ولو خالطت المسلمين لما أسلمت. 

وطاف رَحَّالةٌ متحرر في ديار الشَّرْق والغرب، وخالط المسلمين فقال:- وجدت في الغرب إسلاماً، ولم أجد مسلمين، ووجدت في الشرق مسلمين، ولم أجد إسلاماً. 

تلك حكايات نسمعها، ونرددها، ونصدقها، ولكنها لا تبلغ تراقينا، مثلما أن البعض مِنَّا يرتل القرآن ترتيلاً، فيقيم حروفه، ولا يقيم حدوده. 

نشيد المساجد ونطيل المآذن، ونزدحم في المشاعر، ولكننا لا نتمثل الإسلام عقيدة ولا منهج حياة. 

كُلُّ شَيْءٍ في ديار المسلمين غَرْبي: أسواقُنا، وبيوتُنا، و مآكلنا، و ازياؤنا. 

ونحن بذلك نحقق مقولة من لا ينطق عن الهوى:- [لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه] ولقد حَدَّدَ القَبْلِيِّين بأنهم اليهود والنصارى. 

هذه التبعية انستنا محاسن الإسلام. ومن ثم لا نتردد في نسبة الحرية [لليبرالية] والعدالة [للديموقراطية] والمساواة [للماسونية] مع أن الإسلام سبق ذلك كله بالنص و الممارسة. 

فمن نشد الحرية وجدها في الإسلام، وهذا [عمر] يقول:-[متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا]، ومن نشد العدل وجده في الإسلام:- [إن الله يأمر بالعدل]، ومن نشد المساواة، وجدها في الإسلام [إن أكرمكم عند الله أتقاكم]. 

والله يأمر بإجارة المشرك، وإبلاغه مأمنه، و مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، و يعفو عن الحب الجبلي عند الزواج من الكتابية. 

لقد قُدِّم الإسلام من ذويه بصورة مشوَّهة، نَفَّرت منه الآخر، وشككت الناشئة الذين ولدوا على الفطرة. 

والراصدون لظاهرة [ الإلحاد] يَرُوعُهم ارتفاع نسبته بين أوساط الشباب، ولو عُرِف السبب لبطل العجب. 

إن ثورة الاتصالات والمعلومات عَرَّت السَّوْءات، وكشفت المستور، ولم يعد هناك مجال لخصف الأوراق، وستر العورات. 

وهل أحد يستطيع نفي الإرهاب والعنف والتطرف عن المسلمين ؟. 

وأتباع القاعدة يؤكدون انتماءهم للإسلام، ثم لا يجدون حرجاً من القتل العشوائي، والغدر بالآمنين. 

وهل يَقْدر أحدٌ على تكميم الأفواه، وكف المصورين والمراسلين عن ملاحقة الفتن، والبحث عن بؤر التوتر في العالم الإسلامي. 

و يكفي أن نشهد الوحشية في [ العراق] و [ الشام]. 

أحزاب إسلامية، ومنظمات إسلامية، وطوائف، وأطياف، تعرف منها وتنكر، تجر عالمنا الإسلامي إلى درك الشقاء، وشماتة الأعداء. 

ودعك من متعصبة الباطنية الذين يقتلون على الهوية، ويقولون عبر قنوات الضرار منكراً من القول وزورا، يَذُمُّون الخلفاء الراشدين، ويقذفون أمهات المؤمنين، ولا يجدون حرجاً من نسبة الرَّذائل لأكابر الصحابة، وينسفون التاريخ الإسلامي، وينكرون الفتوحات الإسلامية، ويستخفون بمنجزها الحضاري، و يَعِدُون بخروج المختبىء في السِّرْداب، مع أن هذه الطوائف محسوبة على الإسلام، وهي منه، وعملها منسوب إليه، وهم وحدهم الذين يُقَدِّمون صورة الإسلام للغرب. 

فهل ما يعتقدون يَصْمُد أمام العقل والعلم وعَصْر المكتشفات المذهلة ؟. 

إن المعتقدات الخرافية تُحْرِجُ عقلاء المسلمين، وتُهْدر طاقاتهم في سبيل تصحيح المفاهيم. 

لقد بلغ السيل الزبى، وأصبح المسلمون يُخْرِبون بيوتهم بأيديهم. 

فمن ذا الذي يَجِدُ مبرراً لحمامات الدم في بلاد الإسلام ؟.

ولم يبق بعد هذه الترديات إلا انتظار المجدد الذي يبعثه الله على رأس كل مائة سنة، عسى أن تكون على يديه صحوة إسلامية حقيقية، تجمع كلمة المسلمين، وتردهم إلى خالقهم رداً جميلاً، يتمثلون الإسلام قولاً وعملاً، ولينا، وتسامحاً، وتَفَسُّحاً للمخالف، وتعايشاً، وتعاذراً، وسعياً دؤوباً لبناء الحياة التي فيها معاشنا، وتجويد الآخرة التي إليها معادنا. 

السؤال الأكثر احراجاً:- من المسؤول عن هذه الأوضاع المتردية 

أهو عالمنا أم العالم الآخر؟. 

لقد تركنا رسول الرحمة على المحجة البيضاء. فهل ظلت كما تَرَكَنا عليها أم أنها اعْوَجَّت و أظلمت، وضاع في متاهاتها المِجْدافُ والملاّح؟. 

—————————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. حسن بن فهد الهويمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*