الجمعة , 31 أكتوبر 2014
جديد الموقع

الفرح في الإسلام

الفرح المنضبط من الكمالات الإنسانية التي خلقها الله عز وجل في بني آدم، وهو فطرة سوية؛ وشعور جبلي؛ وخلق حميد. 

وقد دلت النصوص على أن الفرح منقبة يتصف بها الكمل من البشر؛ كالأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين.

والمدافع لهذه الصفة الحميدة والمنكر لها هو منكر لما دلت الأدلة الصحيحة في اعتباره؛ سواء النقلية منها أو العقلية.

بل ثبتت هذه الصفة مع المغايرة في الكيفية للباري جل وعلا؛ ثبوتاً يليق بجلاله من غير تمثيل ولا مشابهة لفرح المخلوقين؛ كما روى البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاَةٍ».

وفي رواية لمسلم: ” لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ “.

وأما فرح المرسلين فها هو سيد الخلق وإمام المتقين يفرح فرحاً يستبين على محياه؛ وتبرق له أسارير وجهه؛ كما ثبت في البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: ” أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ المُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ، وَأُسَامَةَ، وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ “.

قال النووي رحمه الله: قَالَ أَهْل اللُّغَة قَوْله : ( تَبْرُق ) ، بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الرَّاء أَيْ تُضِيء وَتَسْتَنِير؛ مِنْ السُّرُور وَالْفَرَح، وَ ( الْأَسَارِير ): هِيَ الْخُطُوط الَّتِي فِي الْجَبْهَة؛ وَاحِدهَا: سِرّ وَسُرُور؛ وَجَمْعه أَسْرَار وَجَمْع الْجَمْع ( أَسَارِير ). شرح النووي على صحيح مسلم (10/ 40).

وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأن يفرحوا بما هداهم إليه من الإيمان والتقوى؛ وبما أنزل إليهم من الكتاب والحكمة؛ كما في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: وإنما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى، وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان الداعي للازدياد منهما، وهذا فرح محمود. تفسير السعدي (ص: 366).

وهذا الفرح متصل في الآخرة كما هو حاصل في الدنيا؛ وذلك حينما يرى الشهداء ما يحصل لهم من أنواع النعيم والكرامة نتيجة صبرهم وبلاءهم في الدنيا؛ كما في مثل قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ…} [آل عمران: 169، 170].

والفرح في أصله مباح؛ ويرقى إلى أن يكون من أعلى مقامات العبودية فوق مرتبة الرضى؛ ولذلك قال العلامة ابن القيم رحمه الله:

فالفرح باللّه، وبرسوله، وبالإيمان، وبالسّنّة، وبالعلم، وبالقرآن: من أعلى مقامات الدّين. 

قال اللّه تعالى: {وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (التوبة: 124). 

وقال: {وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ} (الرعد: 36). 

فالفرح بالعلم والإيمان والسّنّة: دليل على تعظيمه عند صاحبه ومحبّته له، وإيثاره له على غيره. 

فإنّ فرح العبد بالشّيء عند حصوله له: على قدر محبّته له، ورغبته فيه. 

فمن ليس له رغبة في الشّيء لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه فواته. 

فالفرح تابع للمحبّة والرّغبة. 

والفرق بينه وبين الاستبشار: أنّ الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار: يكون به قبل حصوله. إذا كان على ثقة من حصوله، ولهذا قال تعالى: {فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} (آل عمران/ 170). 

والفرح: صفة كمال، ولهذا يوصف الرّبّ تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحه بتوبة التّائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته الّتي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها، واليأس من حصولها. 

والمقصود: أنّ «الفرح» أعلى نعيم القلب، ولذّته وبهجته. والفرح والسّرور نعيمه. والهمّ والحزن عذابه. 

والفرح بالشّيء فوق الرّضا به. فإنّ الرّضا طمأنينة وسكون وانشراح. والفرح لذّة وبهجة وسرور. مدارج السالكين (3/158).

ومن مظاهر عناية الإسلام بالفرح وإظهاره ما شرعه في العيدين من الأمر بأخذ الزينة والفرح بتمام العبادة والسماح باللعب المباح والتوسعة على الأهل فيما لا حرمة فيه؛ ويدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا». 

إن إظهار الفرح والسرور والبهجة على النفس بما أباح الله وشرعه؛ هو حق لا مرية فيه؛ والميل عن هذه الفطرة السوية والتنكب عنها خلق ذميم؛ ولا يمدح المرء أو يشار له بالفضل والكمال حينما يكون عن التخلق بهذه الصفة بمعزل؛ بل هو بالذم أولى وأحرى.

وكيف يتنزه المسلم عن خلق اتصف به أنبياء الله تعالى ورسله؛ وأصفياؤه من الشهداء والصالحين؛ والمعرض عن التخلق بهذه الصفة منبئ على ضلوعه في الجهالة؛  غارق في أوحالها، والأدهى من ذلك أن يزعم زاعم أن إظهار الفرح منقصة في الديانة؛ مجلبة للقالة…

والفرح المذموم في الشريعة هو ما كان مبعثه الفخر والخيلاء والتكبر؛ ومدعاة لنسب النعم لغير مسديها الحقيقي؛ مما يكون معه الأشر والبطر؛ كما حصل مع قارون الذي أتاه الله من أنواع الكنوز من الأموال ما تنوء بحمل مفاتيحه الثلة من الرجال، فنهاه قومه من الفرح الذي ينسيه شكر المنعم تعالى الذي أتاه ذلك؛ كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76، 77].

أو كفرح المنافقين لما يحصل للمسلمين من الأذى والابتلاء كما في قوله تعالى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ } [التوبة: 50]؛ أو كفرحهم للتخلف عن الطاعات التي تقربهم إلى ربهم؛ كما في قوله تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81].

وكذلك الفرح الذي يكون مبعثه الكذب والتزي بما لم يقم به المرء؛ كما في قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188].

فهذه الأنواع من الفرح وأشباهها كلها مذمومة في الشرع؛ وهي مباينة تمام التباين لذلك الفرح المحمود الذي أمر به الشرع وأقر به.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>